تعقد القمة العربية على مستوى القادة أو على مستوى أدنى، ليست هذه المشكلة. بل إن انعقادها أو عدمه ليس مشكلة على الإطلاق، لأن العرب لا يعولون على القمة في أي من قضاياهم، والحكومات لا تنتظر القمم لحل أي من خلافاتها. القمة مناسبة سياسية معنوية لم تعد لها أي فاعلية، وإن بقي لها مغزى يكمن في الإشارة إلى المجتمع الدولي بأن الدول العربية لا تزال متمسكة بهذه الرابطة فيما بينها، ولا تزال تفكر في تفعيلها في مجالات شتى، لكن العلاقات الثنائية تبدو أكثر ثباتاً وجدوى. القمة تتبنى تحليلاً ومواقف في المسائل السياسية الكبرى، وتحدد التزامات يمكن أن تُحترم أو لا تُحترم، بل حتى يمكن أن تنقض، حسب المصالح والأهواء والأمزجة، فليس هناك نظام تقويم ومحاسبة، وليس هناك حاكم يقبل بأن يُلام ولا نظام يرضى بأن يُحمل مسؤولية عدم الالتزام. أما أن لا ينتخب رئيس جديد للبنان فهناك طبعاً مشكلة. وأقل ما تعنيه أن البلد محكوم بالشلل ومدفوع إلى الفوضى ومتروك لقوانين الميليشيات وتقلبات الشارع، لكن ما يعنيه ذلك، في الحال الراهنة، أن هناك بلداً عربياً يتسلط، ويصر أن يتسلط على بلد عربي آخر، وأنه يستغل الجوار ليتحكم في مجريات الأمن والسياسة داخل البلد الجار. هذا هو الوضع القائم الآن بين سوريا ولبنان، وسط أزمة مركبة زادتها الأطراف الداخلية تعقيداً، خصوصاً أن حلفاء سوريا برهنوا المرة تلو المرة أنهم لا يبحثون عن حل، وإنما عن إطالة الأزمة إلى أن تتمكن سوريا، وكذلك إيران، من تحقيق مكاسب في صراعهما مع الولايات المتحدة. حتى الآن حصلت سوريا على النقطة التي أرادت إثباتها وبرهنتها في لبنان، فالجميع يطالبها ويناشدها بأن تسّهل انتخاب الرئيس، ما يعني الاعتراف لها بأن وجود هذا الرئيس أو عدم وجوده في مقعد لبنان داخل القمة العربية أمر في يد دمشق وفي يدها وحدها. أي ثأر وانتصار يمكن أن يكون أفضل من هذا لسوريا، فهي خرجت من لبنان لكنها أخذت معها مفاتيح الرئاسة، ورئاسة البرلمان، والبرلمان، وبعض مفاتيح الأمن، ولم تترك مفاتيح الحكومة إلا لأن حلفاءها أحجموا عن انتزاعها بالقوة، ما كان سيشعل حرباً أهلية مفتوحة، وهذه الحرب لم يردها "حزب الله" في حينه لأن ظروفها لم تكن قد نضجت بعد. لم يرد الحزب تلك الحرب، ليس مخافة نشوب اقتتال سني - شيعي مواز لاقتتال مماثل في العراق آنذاك، وإنما لأن الحزب يتجنب الغرق في أوحال حرب كهذه، قد يحقق فيها نصراً عسكرياً داخلياً لكنه سيحقق في الوقت نفسه بداية نهاية قوته وسطوته. تخيلوا الموقف إذا "سمحت" سوريا في الأيام الفاصلة عن القمة العربية بانتخاب الرئيس اللبناني، سيُقال إنها أنقذت القمة، وإنها رجحت الحكمة على التعنت، وأثبتت انتماءها العربي على حساب ارتباطها بإيران. وهكذا يمكن للقمة أن تنعقد مع شيء من أجواء الانفراج... لكن ماذا بعد؟ بات معروفاً أن انتخاب الرئيس ليس سوى البداية، وبالتالي فإن الأزمة اللبنانية ستستمر، في ظل رئيس يراد تكبيله وابتزازه ودفعه إلى لعب لعبة لا يريدها كما أرادها سلفه. وبذلك تكون الإيجابية المفترضة التي أظهرتها دمشق خادعة وسرابية. إذ أن تسهيل انعقاد القمة ليس الإنجاز الذي تتطلع سوريا إليه، إنها تسعى في أقل تقدير إلى تغيير جذري في طبيعة النظام اللبناني الحالي، ولن ترضى بأقل من انتصار واضح لحليفتها المعارضة على الأكثرية الحكومية. وبدا جلياً من تطورات الأزمة، ومن المفاوضات في إطار الوساطة العربية أن قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، - وهي أضعف الإيمان - لا تكفي لتحقيق طموحات المعارضة. فالمطلوب أن تتغلب الأقلية على الأكثرية، بل أن تكون الأكثرية ممتنة ومسرورة لهزيمتها أمام الأقلية. لكن الحسابات الراهنة، لا تزال تغري سوريا بأنها تستطيع استضافة القمة، ولو في غياب العديد من القادة، من دون أن تتنازل في لبنان. فهي ستحقق بذلك إنجازاً يؤكد صواب سياستها، ويشجعها على المضي في نهجها الحالي، بغية استدراج الولايات المتحدة إلى التفاهم معها على قضيتي المحكمة الدولية (في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه)، وإعادة نفوذ ولو محدود معترف به على لبنان، واستئناف التفاوض لإنجاز سلام مع إسرائيل، لقاء تبادل خدمات ومصالح في لبنان والعراق وفلسطين وتحديد مصائر "حزب الله" و"حماس" و"القاعدة في بلاد الرافدين".