مضى الزمن الذي كان "الداعية الإسلامي" يعيش فيه كالمشرد ويموت كالغريب ويحتار أهله في تدبير مصاريف العزاء والدفن، ويتورط ورثته في تسديد ديونه! فاليوم- بل ومنذ عدة عقود ربما- وبفضل "الصحوة الإسلامية"، انفتحت أبواب الرزق على أكثر الدعاة، وشمل الثراء معظم كبار الفقهاء، وبخاصة إذا كانوا يتبنون آراء واجتهادات الجماعات الإسلامية، وبالذات "الوسطية" منها، ممن تمسك بخيوط وحلقات الثراء والمكافآت وبيوت التمويل والشركات الإسلامية... من الوسط! حدثني أحد رجال الأعمال الكويتيين عن الدخل السنوي لأحد هؤلاء من أعضاء "اللجنة الشرعية" في العديد من الشركات والمصارف، فقال ما أستطيع أن أقوله بكل ثقة، إن هذا الفقيه الداعية الكويتي، عضو في سبع من هذه اللجان، وتبلغ مكافآته السنوية نحو خمسين إلى ستين ألف دولار. وكان "داعية كويتي" آخر ممن سبقه قد راكم ثروة ضخمة من الندوات والأشرطة والاستشارات وغيرها، ثم قام بتأسيس "مؤسسة خيرية"، جمع باسمها ملايين الدنانير. ولا شك أن العديد من نشطاء الدعوة اليوم يدخلون مثلهم ملايين الدنانير في صمت، ويستعينون في تنمية أرصدتهم بالكتمان! وقد فتح النشاط الدعوي الفقهي والسياسي في الكويت وأماكن أخرى خليجية وعربية وإسلامية عامة، أبواب الارتزاق الواسعة للكثير من النشطاء في تفسير الأحلام ومدعي الاتصال بالجان والعفاريت والمردة والطب الشرعي والوعظ في المآتم ومكافحة العين والحسد، وتجارة العسل والماء والزيت "المقروء عليه"! ولا شك أن "العمل الخيري" الذي يحتكره الكثير من الدعاة، ويتولون إدارة لجانه وماليته وصناديقه في كل مكان، مصدر آخر للثراء السريع وتوسيع النفوذ المالي والسياسي للجماعات الإسلامية. ومن المؤكد أن هذه الأموال تلعب دوراً بارزاً في تغطية المصاريف الانتخابية وطباعة الكتب والمجلات و"البروشورات" الأنيقة، وإذا قلّت مصادر الأموال، فإن أموال وزارات الأوقاف والهيئات الدينية الرسمية وأثرياء الدعاة تهبُّ للنجدة! ولا يبدو أن أي "داعية" صار يقوم بأي تحرك أو نشاط ديني لوجه الله، ويتصارع الإسلاميون عادة على المناصب والمساجد والهيئات، ويدب الخلاف والخصام بين الكثير منهم بسبب هذه المكاسب. ويشمل النشاط الدعوي منذ فترة حركة النشر، فالآلاف من الكتب الإسلامية التراثية يعاد نشرها مجلدة مذهبة، والكثير من مؤلفات قادة ومفكري الجماعات الإسلامية، مثل سيد قطب وحسن البنا ومصطفى السباعي وفتحي يكن وسعيد حوى ويوسف العظم وغيرهم، تطبع بانتظام المرة تلو الأخرى، حتى ظهرت الطبعة رقم عشرين أو ثلاثين! ولكن جفاف هذه "الصحوة الإسلامية" وسطحيتها وارتجالها لا يظهر في شيء كما في الحياة الثقافية وحركة البحث والنشر، فعندما كانت الثقافة الإسلامية في ظل المثقفين والباحثين السابقين، قبل أربعين أو ستين سنة مثلاً، تولى هؤلاء تحقيق الكثير من المخطوطات الدينية والأدبية واللغوية وأثروها بالتصحيح والتعليق والشروح، وقاموا كذلك بترجمة أمهات الكتب التي وضعها المستشرقون الألمان والإنجليز والفرنسيون حول الإسلام ورجاله وتراثه. وفتحوا إلى جانب حركة النشر هذه ميادين البحث والنقاش، من خلال أعمال طه حسين والعقاد ومحمد كرد علي وبهجت الأثري وأحمد أمين وجورجي زيدان ومصطفى جواد وشكيب أرسلان وحمد الجاسر وغيرهم، حول التاريخ الإسلامي والثقافة العربية ومشاكل تطوير اللغة العربية... إلخ. أما حركة النشر الإسلامية الحالية، فهي حركة تجارية ارتزاقية متسرعة، تطبع الكثير من كتب الفقه والتفسير والأدب واللغة والتاريخ دون تحقيق وتدقيق، وتكتفي أحياناً كثيرة بتصوير مطبوعات "بولاق" ودور النشر العربية في مختلف بقاع الأرض، وتسطو مرات على جهود كل أعلام التراث ممن أفنوا أعمارهم في تحقيق ومقارنة المخطوطات. ورغم كل الأموال المتوفرة التي تتداولها أيدي "دعاة الإسلام" اليوم، أو نراها ضمن "تبرعات" و"زكاة" المؤسسات الإسلامية، فإنها لم تمول حتى الآن مشروعاً ذا بال في مجال قواميس اللغة أو مشاريع كتابة التاريخ أو ترجمة مؤلفات الباحثين في الثقافة العربية أو الإسلامية في مختلف اللغات الحية. بل ولا استبعد على الإطلاق أن هذه المجلدات المذهبة من كتب الفقه والتفسير والأدب التي تطبعها شركات النشر الإسلامية في كل مكان، تُشترى ولا تُطالع، وتُقتنى ولا تُقرأ، فلو قرأ كل هؤلاء كتب الفقه والتفسير والحديث والأدب واللغة هذه، لما بقي إلا القليل منهم في صفوف هذه الجماعات! فهذه "الصحوة المباركة" منذ بدأت بعد عام 1970 واكتسحت العالم العربي لم تفرز باحثين إسلاميين جدداً بحجم الحركة كماً وكيفاً، ولم تسهم في أي تطوير حقيقي للثقافة الإسلامية، على العكس، توالت خلالها ظهور الجماعات المتشددة والفتاوى الغريبة وازداد الجهلاء جهلاً والعارفون والعلماء عزلة وبعداً. وهيمن الدعاة من كل لون على ميكرفونات الإذاعة والخطابة واستقطبوا كاميرات التلفاز، وصاروا يتبارون في بث أفكارهم السطحية الشعبوية واجتهاداتهم الخطرة بين المستمعين والمشاهدين، فما أبعدهم مثلاً عن مناقشات ومحاضرات الصالونات الأدبية في زمن أعلام الثقافة العربية في القاهرة وبيروت وغيرهما، وما أرست تلك الندوات من أسس متينة في الثقافة وما روجت من اهتمامات رفيعة بين المستمعين. والغريب حقاً أن الدعاة يستفيدون اليوم من آلات ومخترعات حرّم استخدامها جيلهم السابق، فكل "القنوات الإسلامية" اليوم تستخدم الراديو والتلفاز والسينما والصور والطباعة وغيرها، بينما تعرض حتى التلفون إلى التحريم ذات يوم في بعض مناطق دول الخليج، ووصل الأمر إلى تحريم قراءة الصحف والمجلات لما تحتوي من آراء وأخبار، فيما كان تعليم الجغرافيا والعلوم واللغة الإنجليزية وتعليم البنات على رأس المحرمات! ولولا الجهود المضنية والتضحيات الكبيرة التي بذلها أمثال قاسم أمين والشيخ محمد عبده والشعراء والكتاب المجددون ممن لا مجال لذكر أسمائهم هنا، لكنا اليوم أتعس حالاً بكثير! كان مفكرو ومثقفو الأمس يقصدون تحريك الفكر وتنشيط العقل، أما دعاة اليوم فيستهدفون العواطف وقد يتخصصون في إبكاء الناس وإشعارهم بمختلف عقد الذنب وإغراقهم في بحر مساوئ لم يرتكبوها! فمن أهم فنون الوعظ والهيمنة العاطفية لدى هؤلاء الدعاة، تأثيم المستمعين رجالاً ونساء، وتعظيم أبسط الهفوات حتى تكون في نظر المشاهد والمستمع بقدر "جبل أحد"! ثم ينفعل الواعظ الداعية ويتباكى ويختلج، ويئن ويزفر، وبذلك يسيطر على مشاهديه، ويفرغ ما في نفوس بعضهم من عقد الذنب وصنوف الإحباط، ويضمن الداعية لأشرطته وبرامجه كل الرواج، ولرصيده المالي والإعلامي الصعود الدائم. والأغرب أنهم يتحدثون أحياناً كثيرة عن الفقراء والمحتاجين وفضائل الزهد والتقشف، ويوردون قصص من عاش كالغريب، واكتفى بالماء وقرص الشعير، ومن انعزل عن الناس ولم يطرق أبواب السلاطين والأثرياء والمتنفذين، بينما يزدادون ثراء على ثراء ومالاً على مال، حتى قدرت ثروة أحد هؤلاء الدعاة البكائيين المتباكين بنحو مليوني دولار ونصف، كدخل صاف لعام 2007 وحده، كما جاء في مجلة "فوربز العربية". وهو بلا شك مبلغ بسيط مقارنة بنجوم الدعوة الدينية في الولايات المتحدة كذلك وربما أماكن أخرى، وهو أيضاً مبلغ لا يذكر مقارنة بدخل نجوم الغناء والطرب. غير أن الأميركان في صحافتهم وكتبهم يمتلكون حق مناقشة ورد كل الأفكار والمضامين الواردة في خطب وأحاديث الوعاظ، من الألف إلى الياء. أما عندنا فسيفقد المعترض وظيفته ودخله وزوجته وسمعته، ثم يفقد رأسه إن نقد واعترض! إن سطحية فكر الوعظ والخطابة والدعوة وقدرته على الانتشار والهيمنة على عقول الجمهور، بما في ذلك حشد كبير من المتعلمين وخريجي الثانويات والجامعات، مشكلة ثقافية وسياسية كبرى في كل العالم العربي والإسلامي، بل وفي العالم كله. ومن إندونيسيا إلى باكستان وإيران ودول الخليج ومصر وشمال أفريقيا، وبين مسلمي لندن وباريس ونيويورك، يمتد نفوذ هذه المواعظ وسلطات هؤلاء الدعاة، حاملاً أكبر التحديات أمام وصول الفكر العلمي والنقدي العقلاني الحديث إلى عامة المسلمين، وحاملاً ملايين الدولارات الجديدة للدعاة والوعاظ.. وكذلك لفقهاء اللجان الشرعية في البنوك والشركات "الإسلامية"! وبهذا يزداد الداعية الثري ثراء، ويزداد الجمهور غيبوبة عن الزمان والمكان!