شهدت السنوات القليلة الماضية، سيلاً من القصص والفضائح المتعلقة بانتشار استخدام المنشطات في مجال الرياضة، ضمن سعي الرياضيين لرفع مستوى أدائهم البدني والذهني، ولتحقيق البطولات والحصول على الميداليات. ومثلها مثل جميع الأعمال غير القانونية واللاأخلاقية، انتهت غالبية هذه القصص بعقوبات شديدة، بداية بنزع الألقاب واسترجاع الميداليات، ونهاية بالسجن والغرامة. وهو ما حدا بالرياضيين للاعتماد على بعض الوسائل الطبيعية، التي يمكنها تحقيق مثل هذا التفوق البدني والذهني، ودون أن تشكل خرقاً للقوانين أو للتشريعات الرياضية. إحدى هذه الوسائل الطبيعية التي أصبحت تحظى باهتمام متزايد مؤخراً، هي "البروبيوتك" (Probiotic)، والتي حسب التعريف المشترك لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ومنظمة الصحة العالمية، تعتبر: كائنات حية دقيقة، يمكنها تحقيق فوائد صحية، إذا ما تم تناولها بكميات كافية. أو بمعنى آخر، فإن البروبيوتك هي إضافات غذائية، مكونة من بعض أنواع البكتيريا والفطريات، ذات تأثير إيجابي على الصحة العامة. وتعتبر البكتيريا المنتجة لحمض "اللبنيك" أكثر أنواع البكتيريا استخداماً لتحقيق هذا الغرض. وهذه البكتيريا، تشكل حجر الأساس للعديد من منتجات صناعة الغذاء، بسبب قدرتها على تحويل سكر اللبن إلى حمض "اللبنيك"، وهي العملية التي تمنح بعض منتجات الألبان طعمها الحامض المميز، وتساعد على حفظ المنتج الغذائي ضد الفساد والتعفن، بسبب ارتفاع درجة الحموضة التي تعيق نمو أنواع البكتيريا الأخرى. وقبل أن نتطرق لفوائد استخدامات "البروبيوتك" من قبل الرياضيين، لابد أن نفهم أساساً طريقة عمل هذه الكائنات الحية الدقيقة، وأن نسترجع بعض المعلومات عن التوازن الحيوي القائم بين خلايا وأعضاء الجسم البشري وبين المليارات من البكتيريا التي تسكن بداخله. ففي الأحوال الطبيعية غير المرَضية، يعتبر الجسم البشري وعاء لنظام بيئي مصغر، يقطنه ويعيش فيه ما بين ثلاثمائة إلى ألف نوع مختلف من البكتيريا. وسكان هذا النظام البيئي، الذي تتواجد غالبيته في الجهاز الهضمي والأمعاء، أحياناً ما يزيد عددهم عن عدد خلايا الجسم مجتمعة إلى درجة أن الجزء الأكبر من المواد الطبيعية الموجودة في قولون الشخص الطبيعي، يتكون في الغالب من خلايا بكتيرية. وعلى عكس الميكروبات الضارة، تؤدي بكتيريا الأمعاء المعروفة بـ"فلورا الأمعاء" (Gut Flora) العديد من الوظائف، وتمنح حاملها الكثير من الفوائد، مثل المساعدة على الهضم، وتكسير المواد التي لا يستطيع الإنسان هضمها، وتدريب وتحفيز جهاز المناعة، بالإضافة إلى مقاومة تكاثر الأنواع الأخرى الضارة من الميكروبات. ولذا ينظر للعلاقة بين الإنسان وبين ما يحمله في أمعائه من ميكروبات، على أنها علاقة تكافل ومنفعة متبادلة، وليست فقط مجرد تعايش سلمي. ويتمتع الجزء المتعلق بتنشيط وتحفيز جهاز المناعة باهتمام الرياضيين خاصة، وذلك لسببين؛ أولاً: لزيادة مقاومة الجسم للأمراض المعْدية المعتادة، أثناء وخلال البطولات الرياضية. ثانياً: لتحسين قدرة الجسم على الاستجابة للتعب والإجهاد. والسبب الأول ظهرت أهميته مؤخراً، من خلال دراسة نشرت هذا الأسبوع في إحدى الدوريات المتخصصة في مجال الطب الرياضي (British Journal of Sports Medicine)، كان قد أجراها علماء معهد الطب الرياضي بمدينة "كانبيرا" بأستراليا، وخلصت إلى أن تناول "البروبيوتك" قد خفض أيام المرض بين الرياضيين، بالأمراض المعدية الشائعة مثل البرد والإنفلونزا، بمقدار النصف. وتوصل العلماء إلى هذه النتيجة من خلال متابعة مجموعتين من الرياضيين، كانت إحداهما تتناول "البروبيوتك" بانتظام، بينما كانت الأخرى لا تتناوله. وبحساب عدد مرات الإصابة بالبرد والكحة والإنفلونزا، على مدار شهور الاستعداد الشتوي الأربعة، وهي الفترة التي تزداد فيها معدلات الإصابة بتلك الأمراض بشكل كبير بين الرياضيين بسبب طبيعة الجو والمجهود البدني الهائل، اكتشف العلماء أن "البروبيوتك" لا تقلل فقط من مرات الإصابة، بل تخفض أيضاً من عدد الأيام التي يحتاجها الرياضي لاستعادة لياقته البدنية والشفاء الكامل. ومثل هذا التأثير، قد يكون هو الفارق بين المركز الأول وبين المركز الأخير في البطولات الدولية. فجميعنا قد أصبنا بالرشح والزكام مرات عديدة، ونعلم تماماً مدى تأثير هذه الأمراض على التركيز الذهني وعلى الأداء البدني العام. وهو التأثير الذي يصبح بالغ الأهمية، في حالة الرياضي الذي تفصل بضع ثوان، أو أحياناً جزء من الثانية، بينه وبين النصر والهزيمة. ومثل هذا التأثير، للأسف، لا يعتقد الخبراء أنه ينطبق أيضاً على الأشخاص العاديين. بسبب الاختلاف في مستوى اللياقة، ونمط الحياة، ونوعية وكمية الغذاء، بين الرياضيين وبين الغالبية منا. فالمعروف من الدراسات السابقة أن الأشخاص الذين يتمتعون بمؤشر كتلة جسم منخفض (Body Mass Index) تختلف لديهم بشكل كبير نوعية وعدد "فلورا" الأمعاء، عن الأشخاص مرتفعي مؤشر كتلة الجسم، أو زائدي الوزن والمصابين بالسمنة. وهذا لا يمنع أننا يمكننا جميعاً حصد الفوائد الأخرى المزعومة لـ"البروبيوتك"، مثل قدرتها على الوقاية من سرطان القولون، وهو ما أثبته العديد من الاختبارات المعملية والتجارب الحيوانية. وعلى صعيد مستويات الكوليسترول، أظهرت التجارب الحيوانية قدرة "البروبيوتك" على خفض مستوى الكوليسترول في الدم. وبالنسبة لضغط الدم، أظهرت بعض الدراسات الإكلينيكية، وإن كانت جميعها دراسات صغيرة الحجم، قدرة منتجات الألبان المختمرة، بما تحتويه من كميات كبيرة من البكتيريا، على خفض مستوى ضغط الدم المرتفع. د. أكمل عبد الحكيم