بعد أيام، تأتي الذكرى السنوية الثالثة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ثلاث سنوات مرت ولبنان في جحيم، ولا أعتقد أنه حتى ولو كان سبب القتل فقط الحقد، أو كان ثمة مشروع كبير وخطير من وراء تلك الجريمة، لا أعتقد أن الذين خططوا لتلك العملية توقعوا النتائج التي ظهرت، والتي لا تزال تظهر، وربما تظهر أكثر فأكثر في المستقبل القريب والبعيد. والمؤكد في كل ذلك أن كل لبنان خسر حتى ولو كابر البعض. خسر لبنان شخصية سياسية استثنائية في قدراتها وإرادتها وإيمانها ببلدها وشعبها وانتمائها العربي الصافي، وفي شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية التي سخرتها لمصلحة بلدها وانتمائها. نعم، مرة جديدة يقول الجميع، من أيد الحريري ومن خاصمه، من أحبه ومن كرهه: لبنان قبله ومعه شيء ولبنان بعده شيء آخر، ومفتوح على احتمالات أخرى لم ير منها إلا الخطير، ولم يحصد منها إلا الخطير، لاسيما وأن مسلسل الاغتيالات لم يتوقف، وأودى بحياة خيرة أبناء البلد من سياسيين ومفكرين ومثقفين وإعلاميين وعسكريين، وحالة الانقسام خطيرة جداً على المستويين السياسي والشعبي، والفراغ في رئاسة الجمهورية قائم، والمجلس النيابي مُعطل، والحكومة تواجه أزمة كبيرة ومحاولات شلها بالكامل قائمة، والشارع يشهد تحركات خطيرة وصلت إلى حد الصدام مع الجيش اللبناني المؤسسة الأم في المحافظة على الأمن والاستقرار في البلاد. لكن أخطر ما تواجهه بعد اغتيال الرئيس الشهيد، هو محاولة إسقاط ما سعى إلى تكريسه - أي فكرة الدولة. نعم ثمة محاولة لإسقاط الفكرة بحد ذاتها، وبالتالي لإسقاط المؤسسات، وكأن لبنان ساحة موقع لا دولة ولا مؤسسات ولا قانون، وهذا لا يعني إلا الفوضى، وهذه الأخيرة لا ينجو منها أحد. ويخطئ من يعتقد أنه قادر على النجاة منها أو حماية نفسه من نتائجها الخطيرة. لقد حقق لبنان إنجازات كبيرة مع رفيق الحريري شملت المقاومة وانتصارها الأول على إسرائيل وتحرير الأرض عام 2000 وما سبقه من انتصارات في معارك كان للرئيس الشهيد دور أساسي في حمايتها وحماية نتائجها خصوصاً في أبريل 1996 وفي استيعاب تلك النتائج ومسح الآثار السلبية الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. ورافق انتصار المقاومة المدنية الشعبية بالسلاح، انتصار آخر تجسد في المقاومة الإنمائية والإعمارية التي شكلت قاعدة وأساساً لتعزيز صمود الناس من جهة ولحماية سلامة اقتصاد البلد من جهة ثانية والارتقاء به إلى مستوى قدرات وطموحات اللبنانيين المنتشرين في كل أصقاع الأرض والمساهمين في بناء اقتصادات دول وتأمين مقومات ازدهارها وتطور أوضاعها. وحقق لبنان تأسيساً على ذلك إنجازات إضافية منها الانتصار في الحرب على إسرائيل عام 2006 بعد اغتيال الرئيس الشهيد، لكن كل ذلك مهدد اليوم، ورفيق الحريري غير موجود. الوحدة الوطنية مهددة في ظل الانقسام الكبير، الإنجازات مهددة، الدولة ومؤسساتها مهددة. والخطاب السياسي الذي نشهده اليوم، وينذر بمخاطر كبرى، لم نشهد له مثيلاً في تاريخ حياتنا السياسية، وإنْ دل على شيء فعلى انحدار مستوى القيادة السياسية والعمل السياسي في مواقع ومؤسسات كثيرة، ولو عدنا بالذاكرة قليلاً إلى الوراء وراجعنا مسيرة رفيق الحريري لأدركنا كم كان حضوره في لبنان كبيراً، ليس فقط بسبب إمكاناته بل بسبب رفعة مواقفه وترفعه عن كثير من الأمور رغم ما أصابه من سهام وجراح في حملات شنيعة شنت ضده في كثير من المرات، وكان فيها الظلم والتجني، لكنه حافظ على مستوى راقٍ في خطابه السياسي وتعبيره عنه، وكان ذلك موضع نقاش لدى كثيرين من مقربين وبعيدين ومن أصدقاء أو خصوم، لكنه كان ثابتاً من ثوابت السياسة التي انتهجها، والتي كان الحرص فيها أن تبقى السياسة كبيرة، وأن يبقى السياسيون كباراً، وفي ذلك احترام للوطن وللمواطنين وأمل للمستقبل. ثلاث سنوات كافية ليتعلم من يجب أن يتعلم في لبنان وخارجه، خصوصاً داخل لبنان، إذا كانت سنوات الحرب الأهلية اللعينة لم تؤثر في هؤلاء علماً أن منطق الأمور يقول -إذا كان ثمة احتكام للمنطق في التفكير والتصرف والتدبير- إن تجربة الحرب الأخطر هي الدرس الأكبر؛ ولذلك يخطئ بعد كل هذه السنوات من يعتقد أن بإمكانه السيطرة على البلد، أو التحكم بمفاصل القرار فيه بنوع من الهيمنة. تجربة ما قبل الحرب أثبتت فشل هذا النوع من التفكير والممارسة وانفجر في وجه أصحابه. وفي لبنان تتكرر التجربة ذاتها، وستكون النتائج ذاتها في وجه أصحاب التجربة الجديدة. ويخطئ من يعتقد أنه بالقوة العددية أو المالية أو العسكرية يمكن أن يحسم أمراً ويغير نظاماً. كل هذا يؤدي إلى ما أدى إليه في السابق: خصومات وخلافات وانقسامات وأحقاد ثم عودة إلى التسوية. ويخطئ من يعتقد أيضاً أنه خارج الدولة ومنطقها ومؤسساتها وقوانينها وعدالتها يمكنه الاطمئنان إلى مصير ومستقبل، فكيف إذا كنا جميعاً اليوم نعيش حالة من القلق على كل شيء في البلد وعلى أولادنا ومؤسساتنا ومستقبلنا بغض النظر عن انتماءاتنا الطائفية أو المذهبية أو السياسية أو المناطقية؟! ولذلك ينبغي تقديم فكرة الدولة على أي فكرة أخرى وفي ذلك استفادة من تجربة رفيق الحريري بعد الحرب، لا أن يسير بعضنا عكس التيار "وبالمقلوب"، كما يُقال فيذهب إلى الحرب لتدمير الدولة ومؤسساتها وفكرتها. أما المسألة الأهم، فهي الوحدة الوطنية التي عمل لها الرئيس الشهيد وسعى إلى تعميق المصالحة بين اللبنانيين وفي نفوسهم، حماية للبلد واستقراره ومستقبله. وتجلت تلك الوحدة خلال يوم وداعه بعد اغتياله، في أهم المشاهد بتاريخ لبنان، يوم ودعه اللبنانيون من مواقعهم المختلفة على وقع أجراس الكنائس وأصوات مآذن المساجد وصيحات المؤذنين والمصلين في قلب بيروت. لقد آن الأوان ليقف اللبنانيون صفاً واحداً ويقولوا كلمة واحدة: لا للإرهاب، لا للاغتيالات، لا للتصفيات، لا للقتل، نعم للعدالة، نعم للقانون بعد أن طحنت هذه الحرب الإرهابية خيرة رجالنا وعلى رأسهم الرئيس الشهيد. آن الأوان لنتوحد ضد خطر واحد لن ينجو منه أحد إذا ما استمر المسلسل وإفرازاته وعمليات التحريض المذهبي والطائفي، في ظل ما نراه في المنطقة، وإبقاء لبنان ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية وتمرير مشاريع تخدم كثيرين إلا لبنان واللبنانيين في نهاية المطاف. حياة رفيق الحريري وتجربته كانتا فرصة كبيرة للبنان لم يستفد منها كما كان يريد وكما يستحق لبنان. هل لنا أن نتعلم من حياته وتجربته واستشهاده لنحمي لبنان، فنكون شعبه الطيب الذي استودعنا أمانة لدى الله قبل أن يغادرنا بوقت قصير، وكأنه كان يرى قدره أمامه ويدرك ما ينتظره فقط، لأنه آمن بلبنان وشعبه؟