انهالت المطارق النقدية على الرئيس بوش وأجندته السياسية في الشرق الأوسط في الصحافة العربية والإسرائيلية على حد السواء، وذلك خلال زيارته للمنطقة. أسباب النُقاد العرب تختلف اختلافاً بيناً عن أسباب النُقاد الإسرائيليين. بعض النُقاد العرب لديهم أسباب منطقية ومحل اتفاق عربي مثل قضية غزو العراق وتفكيك الدولة العراقية، وتحويل الساحة العراقية إلى مفرخة للعنف وجماعاته التي سرعان ما ستلقي بظلالها القبيحة على دول الجوار العربي، ومثل تقاعسه الطويل لسبع سنوات كاملة عن إظهار الحماس الذي أبداه أخيراً لتحريك عملية السلام ودفع إسرائيل إلى مائدة المفاوضات مع القيادة الفلسطينية عندما دعا إلى مؤتمر أنابوليس، والبعض الآخر من النُقاد العرب لديه أسباب لانتقاد بوش هي موضع خلاف مثل تراجعه عن الدعوة إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط واستعادته للموقف الأميركي الكلاسيكي، الذي سبق له أن انتقده وهو موقف تفضيل الاستقرار ودعم النظم الصديقة ومثل امتناعه في خطابه الذي ألقاه في أبوظبي عن ذكر قضية احتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث. وفي قضية الدعوة إلى الديمقراطية يرى الكثيرون، وأنا من بينهم، أن الدفع الأميركي يحمل ضرراً بالغاً للمجتمعات العربية يجهض تطورها الطبيعي نحو حالة ديمقراطية تاريخية تنبثق من داخلها، وأن هذا الضرر يبلغ حد الخطر بتحفيز النزعات الطائفية وتفكيك وحدة الدولة الوطنية كما شاهدنا في النموذج العراقي. أما في مسألة جزر الإمارات، فإن من بين المفكرين والكُتاب العرب من يشعر بالارتياح لعدم تناول بوش لها في خطابه، ولهم الحق في ذلك، حيث إن الزج بالمسألة في إطار الصراعات الدولية والإقليمية يحيلها من قضية إماراتية وعربية بحتة إلى جزء من نسيج النزاع الأميركي- الإيراني ومساوماته وتجاذباته. ولعلي أضيف بدوري سبباً آخر لانتقاد أجندة بوش في مجال التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، وهو مصادرته لحق من يرغب من اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى دياره، وذلك من خلال تكراره وتأييده لفكرة يهودية الدولة الإسرائيلية من ناحية، واقتراحه تشكيل آلية دولية لتعويض اللاجئين من ناحية ثانية. ذلك أن يهودية الدولة هنا مبدأ ينصرف إلى طبيعة السكان، ويقصد به الإسرائيليون إرساء نهج التطهير العرقي للدولة الإسرائيلية من الوجود العربي سواء ذلك المتمثل في أكثر من مليون فلسطيني بقوا بعد نكبة 1948 في أراضيهم أو في العودة المتوقعة والمشروعة لمن يرغب ممن شردوا في تلك النكبة خارج ديارهم وخارج الحدود التي استولت عليها إسرائيل. إن هذه المصادرة من جانب بوش لحق العودة تتأكد باقتراحه لآلية وحيدة لحل مشكلة اللاجئين، وهي آلية التعويضات. ولكي تكون الصورة في هذه المصادرة واضحة أمام الرئيس الأميركي وإدارته، فإنني أذكرهم هنا بنص البند رقم (11) في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (94) الصادر عن الدورة الثالثة بتاريخ 11 ديسمبر 1948 والذي تبنته الجمعية العامة "تقرر وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم، وعن كل مفقود أو مصاب بضرر عندما يكون من الواجب وفقاً لمبادئ القانون الدولي. وللإنصاف أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة". ولعل الرئيس بوش يلاحظ أن حق العودة في القرار والسماح به أمر واجب لمن يرغب في العودة إلى داره، وأن دفع التعويضات أمر واجب على الحكومة الإسرائيلية، لمن لا يرغب في العودة بمحض إرادته. ومن هنا أرجو أن يستمع الرئيس بوش إلى الصيحات الفلسطينية الرافضة لمبدأ يهودية الدولة الإسرائيلية، وأن يتفهم مغزاها المنصف والسلمي، حيث إن القرار المذكور يُلزم العائدين بالعيش في سلام مع جيرانهم، وهو أمر يتفهمه من يرغب في العودة. وإذا كانت تلك بعض مطارق النقد العربي لأجندة بوش، فإن المطرقة النقدية الإسرائيلية تنصب على أجندته التي أطلقها في مؤتمر أنابوليس لإحياء عملية التفاوض والتوصل إلى حل نهائي قبل نهاية العام الحالي على أساس مبدأ مقايضة الأرض بالسلام، فهذه الأجندة تثير قوى "اليمين" الإسرائيلي، سواء تلك القابعة في المعارضة مثل "الليكود" والحزب الديني القومي، أو تلك المنضمة إلى الحكومة مثل حزب "شاس" الديني و"إسرائيل بيتنا" الذي قرر بعد زيارة بوش واستئناف المفاوضات الجوهرية الاستقالة من الحكومة. ما أرجوه أن تكون مطارق النقد الإسرائيلية حافزاً لبوش على دفع أجندته السلمية بصورة أكثر إنصافاً.