يحاول المؤرخون الصهاينة، من اليهود وغير اليهود، العثور على عناصر مشتركة بين تجارب أعضاء الجماعات اليهودية حتى يمكنهم تأكيد المفهوم المحوري الصهيوني، وهو فكرة "الوحدة اليهودية العالمية" التي ترى اليهود، كل اليهود، أينما كانوا باعتبارهم شعباً واحداً نُفيَ من وطنه. ومن دلائل هذه الوحدة أن هذا الشعب مضطهد بشكل دائم من جميع شعوب الأرض. وتتبدى هذه الوحدة العالمية فيما يسمّوه "المسألة اليهودية"، وهي مشكلة هذا الشعب الذي يتعرض للاضطهاد من الآخرين، لأنه شعب غريب لا وطن له. ويخلص الصهاينة من هذا إلى ضرورة إنشاء وطن قومي لليهود. وحينما تتناول الأدبيات الصهيونية المسائل اليهودية المختلفة لا تذكر الأسباب الحقيقة التي أدت إلى ظهورها، وتكتفي بالقول إن السبب هو كره الأغيار لليهود، وكأن الظواهر الاجتماعية في جميع جوانبها نتاج وعي الإنسان وإرادته، مع أن هناك جوانب كثيرة في الواقع تتشكل خارج إرادة الإنسان ووعيه، بل وتؤثر في وعيه أحياناً دون إدراكه. فاشتغال اليهود بالربا حوَّلهم إلى مستغلين للجماهير، ولكنهم أصبحوا كذلك لا بقرار واع منهم أو بمحض إرادتهم أو بقرار من النخب الحاكمة الأوروبية، وإنما نتيجة مركب من الأسباب التي تقع خارج نطاق إرادة الأفراد. ويُلاحظ في كثير من الأحيان أن ما يسمى باضطهاد اليهود ليس موجهاً ضد اليهود كيهود، وإنما ضدهم كممثلين لشيء أكبر منهم، كما أنه في كثير من الأحيان ليس مقصوراً عليهم. وحتى يوحي الصهاينة بأن المسألة اليهودية التي يواجهها يهود العالم مسألة أو مسائل مقصورة على اليهود وحدهم، يقومون بعزلها عن سياقاتها التاريخية (والاجتماعية والاقتصادية) المختلفة. فحينما يقوم البابليون بتهجير كثير من الأقوام السامية في فلسطين والشام، لا يُذكَر سوى العبرانيين ولا تُذكر الأسباب التي أدت إلى تهجيرهم. وحينما يبيد النازيون الملايين لا يُذكَر أي من السلاف أو الغجر أو المعوقين أو غيرهم ممن تمت إبادتهم، وذلك حتى تظل الأضواء مسلطة على اليهود وحدهم. وتصوُّر أن اليهود يتعرضون للاضطهاد أينما كانوا تصوّرٌ عنصري حتى النخاع. وهذا ما توضحه الواقعة التالية: ركَّزَ المدعي العام الإسرائيلي أثناء محاكمة أيخمان على دور اليهود كضحية أزلية في كل الأزمنة والأمكنة. وقد كان رد محامي الدفاع على أطروحة المدعي العام ماكراً للغاية، فقد تساءل عن هذا الشعب الذي يضطهده الجميع في كل زمان ومكان، ألا يمكن أن يكون هو المسؤول عمّا يحدث له؟ وقد أصيبت قاعة المحكمة بالذهول حين طُرحت القضية على هذا النحو غير المتوقع، فالمعادون لليهود يردون على هذا السؤال بالإيجاب قائلين: "نعم إن اليهود هم ولاشك المسؤولون". إن الجماعات اليهودية غير متجانسة وتوجد في سياقات اجتماعية وتاريخية وحضارية مختلفة، ومن ثم تختلف الأطر التاريخية التي تدور داخلها، ولذا تختلف "المسائل" التي تواجهها. فكل جماعة يهودية تواجه "مسائل" محددة نابعة من انتمائها لبنية تاريخية محددة وتشكيل حضاري مختلفين عن الأبنية والتشكيلات التي تنتمي لها الجماعات اليهودية الأخرى. فعلى سبيل المثال واجه يهود الإسكندرية في القرن الأول قبل الميلاد "مسألة يهودية" مختلفة بشكل جوهري عن تلك "المسائل" التي واجهها يهود أوروبا في العصور الوسطى. وبطبيعة الحال، كانت مسألة يهود ألمانيا إبان الحكم النازي مختلفة بشكل جوهري عن أي مسائل أخرى واجهها أعضاء الجماعات اليهودية الأخرى. وفي العصور الوسطى، واجه يهود انجلترا مسألة أنهم كانوا جماعة وظيفية صغيرة قامت بتزييف العملة فتم طردها. وتاريخ الجماعة اليهودية في إسبانيا، على سبيل المثال، ليس تاريخ اضطهاد مستمر كما يدّعي الصهاينة. وقد بدأ هذا التاريخ قبل الميلاد ومرّ بمراحل مختلفة قبل الفتح الإسلامي وإبانه وبعده، واستمر حتى القرن السابع عشر حين طُرد اليهود من إسبانيا مع من تبقى من المسلمين. وقد تفاعل يهود إسبانيا مع الحضارة الإسلامية فتحدثوا العربية وأبدعوا أدباً عربياً وفكراً عربياً يهودياً ولم يواجهوا أي مسألة أو مسائل يهودية. ثم تفاعلوا مع الحضارة المسيحية في إسبانيا وظهرت بينهم لهجة اللادينو. ثم ظهرت محاكم التفتيش لتُحاكِم اليهود الذين ادعوا أنهم تنصّروا ولكنهم أبقوا على عقيدتهم اليهودية سراً. ولا يمكن أن نسمّي هذه "مسألة يهودية" مقصورة على اليهود لسبب بسيط وهو أن المسلمين الذين ادعوا أنهم تنصّروا وأبقوا على عقيدتهم سراً واجهوا نفس "المسألة". أما يهود بولندا الذين استوطنوا فيها في القرن الثاني عشر والذين تزايد عددهم من خلال هجرة يهود الخزر والذين كانوا يتحدثون رطانة ألمانية هي "اليديشية"، واجهوا مسألة يهودية مختلفة. فقد تحولوا إلى جماعة وظيفية ارتبطت بطبقة النبلاء البولنديين، قامت باعتصار الفلاحين الأوكرانيين بالنيابة عن هؤلاء النبلاء، فتعرضوا بطبيعة الحال للسخط الشعبي ممّا شكّل مسألة يهودية مختلفة عن المسائل اليهودية التي واجهها أعضاء الجماعات اليهودية الأخرى. ويواجه يهود الولايات المتحدة (على عكس معظم الجماعات اليهودية في الماضي) مشكلة الاندماج بل والانصهار، نتيجة تقبل المجتمع لهم ونجاحهم فيه وتقبلهم هم لأشكاله الحضارية وقيمه العلمانية. وهذا التقبل والنجاح له جوانبه الإيجابية دون شك. ولكنه له جوانبه السلبية أيضاً، فهو يسبب لهم مشاكل مع السود، فالسود متمركزون في المدن نفسها التي يوجد فيها أعضاء الجماعة اليهودية، وعادةً ما يشغلون "الجيتو" الذي كان يشغله المهاجرون اليهود قبل أن يحققوا الحراك الاجتماعي وينتقلوا إما إلى جيرة أفضل أو إلى الضواحي. فحي "هارلم" الشهير كان حياً يهودياً، ولكن حين حقق أعضاء الجماعات اليهودية قدراً كبيراً من الحراك الاجتماعي تركوا هذا الحي، واستقر فيه فقراء السود. وقد جعل هذا من "المالك اليهودي" ممثلاً للرأسمالية الأميركية المستغلة في نظر الأميركيين السود، الأمر الذي يسبب كثيراً من المشاكل للجماعة اليهودية ككل. كما أن تَزايُد وعي السود بأنفسهم، وبقوتهم ورغبتهم في المشاركة في السلطة، يجعل احتكاكهم باليهود أكثر حدة، خاصة بعد تعاظم الاتجاهات اليمينية بين أعضاء الجماعة اليهودية، وتخليهم عن مواقفهم الليبرالية التقليدية، وبعد تأييدهم لإسرائيل بكل عدوانيتها وتوسعها وانضمامهم لدعاة الحرب والتوسع الإمبريالي. ولم يفت على الكثيرين من الأميركيين السود أن عدداً كبيراً من المحافظين الجدد من أصل يهودي. وكان يهود الفلاشاه يواجهون مشكلة المجاعة في وطنهم، وهم الآن يواجهون مشكلة التمييز العنصري ضدهم في الدولة الصهيونية. ويواجه يهود اليمن عدة مشاكل من أهمها أنهم يعيشون في بلد في حالة حرب مع الدولة الصهيونية التي تدعي أنها دولة يهودية، وأنها تتحدث باسم كل يهود العالم بما في ذلك يهود اليمن، وأنها تحاول "إنقاذهم" أي تهجيرهم إلى إسرائيل! ولكنهم حينما يهاجرون إلى أرض الميعاد فإنهم يواجهون مسألة يهودية أخرى (أو فلنقل "مسألة إسرائيلية")، وهي التمييز العنصري ضدهم، الذي تبدّى في قضية اختطاف أبناء اليهود اليمنيين. ففي الفترة من عام 1949 إلى عام 1952 اختفى حوالي 1033 طفلاً يمنياً من مخيمات المهاجرين والمستشفيات، وادعت السلطات في ذلك الوقت أنهم قد تُوفوا ودُفنوا، ولكنها لم تُعط لأهلهم شهادات وفاة ولم تُقدم لهم أي إيضاحات عن أسباب هذه الوفيات. وقد ظهر فيما بعد أنه تم اختطافهم وعرضهم للتبني على مجموعة من الأسر الإشكنازية المحرومة من الإنجاب. والله أعلم.