عندما تسمع خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش، الذي ألقاه في أبوظبي، يتبادر للذهن، أنّ بوش تخلى في موضوع الديمقراطية عن أجندة "المحافظين الجدد"، وتبنى أفكاراً أخرى قريبة جداً مما طرحه فرانسيس فوكوياما في كتابه الأخير "ما بعد المحافظين الجدد". فبوش بدا في خطابه مركزاً على الانفتاح الاقتصادي، وحقوق المرأة، والانفتاح والتسامح الديني، وقال إنّ "الانتخابات مهمة ولكنها مجرد بداية". وقال أيضاً إنّ المجتمعات الحرة والعادلة تحتاج "مؤسسات مدنية قوية". لقد كانت نبرة بوش في الحديث عن الديمقراطية مختلفة عن حماسته السابقة، فقد بدا راضياً بما تحقق في الدول "الحليفة"، وقام بتسمية 12 دولة عربية، حدث فيها تقدم في "أجندة الحرية"، ولم ينتقد عملياً أي دولة بذكر اسمها، سوى إيران. وهذا يقترب مما قاله فوكوياما الذي انتقد من كانوا يروِّجون لحرب العراق وإزاحة حكم صدام حسين، ممن"اعتقدوا أنّ الديمقراطية خيار تلقائي ستلجأ إليه المجتمعات متى تحررت من الديكتاتوريات". ويقول إنّه يجب تأسيس مؤسسات الدولة الفاعلة، قبل التطلع إلى نظام ديمقراطي، وإنه: "يجب أن تدعم الولايات المتحدة الحكم الجيد وليس نشر الديمقراطية فقط. فالديمقراطية بحاجة لعملية بناء الدولة، والتأكيد على وجود مؤسسات فاعلة". وللوهلة الأولى، وإذا ما نظرنا إلى تراجع الحديث عن الانتخابات والديمقراطية، في الخطاب الأميركي، بعد نتائج الإسلاميين، بالانتخابات في مصر، والسلطة الفلسطينية، يبدو أنّ بوش يقول إنّه سيتم التركيز على المؤسسات المدنية، والحرية الاقتصادية، والشخصية، أكثر من الانتخابات، والديمقراطية المباشرة، ولكن الحقيقة أنّ هناك سببين، يجعلان من غير المحتمل أن تتحول مقولات بوش إلى أجندة عملية. أولهما، البراجماتية الشديدة الحالية في التعامل مع البنى الطائفية والقبلية ومهادنتها في العراق وأفغانستان، ما يدل على أنّ الديمقراطية وبناء مؤسسات المجتمع المدني لم تعد هدفاً أميركياً فعلياً. كما أنّ الإدارة الأميركية، فشلت في بناء مؤسسات، ترعى التحول الديمقراطي والمؤسسي، وأمثلة المشاريع الأميركية الفاشلة كثيرة، فإضافة لفشل المؤسسات الإعلامية الموجهة للعرب مثل مجلة "هاي"، وراديو "سوا"، وتلفزيون "الحرة"، سقطت خطط أخرى، مثل مؤسسة "ميلينيوم تشالينج أكاونت" التي أسست عام 2002، لترعى تقديم مساعدات دولية بهدف كسب أصدقاء حول العالم، وتراجعت هذه المؤسسة واختفت تقريباً، وكان قد خصص لها كبداية 5 مليارات دولار كميزانية، وحتى عام 2005 منحت المؤسسة 1.75 مليار دولار فقط، وسط تحفظ كبير من الكونجرس، ومع الفترة الثانية في إدارة بوش، لم يتم منح أي قرض من المؤسسة. أما المبادرة الأميركية- الشرق أوسطية، التي أطلقت عام 2002، وأولي أمرها إلى إليزابيث تشيني، ابنة نائب الرئيس الأميركي، فلم تحصل في عامها الأول سوى على 29 مليون دولار، واضطرت إلى الانتظار سنة كاملة قبل أن تحصل على 100 مليون دولار إضافية، بعد إلحاح وزارة الخارجية. واستقالت تشيني عام 2003، للمساهمة في حملة والدها الانتخابية، ثم عادت لتعمل نائبة لمساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ما بين عامي 2005 و2006، وكانت تسمي دائرتها "دائرة تنسيق أجندة الحرية"، قبل أن تستقيل في 2006 لوضع مولودها الخامس. قبل ذلك جاء إعلان كارين هيوز استقالتها في إبريل 2002، وكانت تعمل كمستشارة لبوش، وتشرف على 43 مسؤولاً يعملون في مكاتب الاتصالات وكتابة الخطابات والإعلام، لأنها تريد قضاء وقت أطول مع ابنها المراهق، وعادت مرة أخرى للإدارة الأميركية عام 2005 مساعدة لوزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الدبلوماسية العامة، وقبل أن تلقي قسَم منصبها أخذت إجازة قامت خلالها بإعطاء محاضرات تقاضت على كل منها 50 ألف دولار، ليشكو من أدائها زملاؤها مراراً، واستقالت مرة أخرى، في ديسمبر الفائت . وهكذا يتضح أنّ أبسط مقومات قيام الإدارة الأميركية برعاية برنامج لدعم التحول الديمقراطي، غير موجودة، ما سيجعل برنامج الإدارة الأميركية لحين قيام إدارة جديدة على الأقل، وبناء مؤسسات قادرة على هذه المهام، لا يتعدى الخطاب العام الداعم للحريات، من كبار مسؤولي الإدارة، فيما يطغى تدريجياً المنهج الواقعي في السياسة الأميركية، الذي لا يكترث كثيراً بما يحصل داخل الدول. aj.azem@gmail.com