منذ دخول السنة الجديدة 2008 إلى دورنا، والأعين مع الأسماع مركزة على أميركا، وسيستمر ذلك حتى يتسلم الرئيس الأميركي الجديد مقاليد الحكم هناك، وكأن العوالم من حولنا "تقررت" في أميركا. وليس في ذلك أي وجه للغرابة، لأن العالم بكل أطيافه السياسية ودوله، حتى التي تناجز أميركا وتخاصمها، يترقب تلك الساعة الأميركية التي تحدد الهوية الجديدة لأميركا سواء كانت "ديمقراطية" أم "جمهورية" بالمعنى الحزبي، لأنه بالمعنى السياسي، فإن ثوابت السياسة الخارجية لأميركا لم تتغير من حيث الجوهر، حتى فيما يتعلق ببؤرة الصراع في الشرق الأوسط وتثقيل الميزان الإسرائيلي على حساب الميزان الفلسطيني المختل من الداخل. فبعد أيام سيهل علينا "بوش الابن" تيمناً بـ"بوش الأب" الذي زار المنطقة بعد تحريره الكويت من الغزو الغاشم لصدام، وبوش الابن اليوم يلعب ذات الدور بعد تحرير العراق من صدام وديكتاتوريته مع بعض الاختلافات الجزئية، إلا أن المشهد العام واحد. طبعاً هناك اختلافات كثيرة في الأجندة السياسية المطلوب تحقيقها في هذه الزيارة شبه الوداعية لفترة "بوش الثاني"، ولكن دون أن يتم توديع المشاكل العالقة في الشرق الأوسط وما حوله من مناطق الصراع التي تلحق بأجزاء من أوروبا الشرقية، وأميركا معنية مباشرة بذلك سواء انتقلت ذات الأجندة في السياسة الخارجية إلى الوريث القادم أو تغيرت في بعض التفاصيل. مع أهمية دور أميركا المحوري في المعادلة الدولية، نسمع أحياناً دعوات حارة لفك الارتباط بها سواء تعلق الأمر بدولارها الأخضر أو سياساتها التي توصف لدى البعض بالجائرة أو المتناقضة، مع علم هؤلاء بأن البراعة في السياسة هي في فن إدارة هذه المزدوجات لتحقيق الغايات الخاصة للدول التي تلعب هذا الدور ومن ثم الأدوار الهامشية الأخرى التي تتطلب العمق في استخدام البراجماتية واللعب على كل الحبال المصلحية كلاً حسب مقاسه في المعادلة الدولية. الأمر المحير هنا، أن البعض يطالب أميركا بأدوار سيادية في داخل الدول التي يعتبرونها من التوابع، وهو شأن لا تقبله أي دولة مهما كانت درجة الضعف عندها، ومع ذلك لا نعتقد بأن تفاصيل الحياة الداخلية تهم أميركا. إن ترتيب أوراق البيت الداخلي جزء لا ينفصل عن سيادة الدول الذاتية، فمهما بلغت الضغوط الخارجية من قوة فإن التغيير لابد وأن يمر عبر القنوات الشرعية المعترف بها سواء كانت توصف بالديمقراطية أو غيرها من المسميات التي يزخر بها عالم السياسة الفضفاض. قبل أن نطلع على الأجندة التفصيلية الخاصة بزيارة بوش إلى المنطقة، فإن الصراع المركزي منذ أكثر من نصف قرن لن يختفي عن نظر أميركا "بوش" في اللحظات الأخيرة أو أميركا أوباما، كلينتون، هوكابي، أو غيرهم من الأسماء المطروحة في حلبة السباق الأميركي نحو الرئاسة. والأمر الآخر هو الملف الإيراني الذي يهم بدرجة اللون البرتقالي أحياناً في دول الخليج ويزداد هذا اللون السياسي فقاعة كلما امتد ذلك الملف نحو إسرائيل في حالة دمجه بأصل الصراع. فبوش الذي وضع تحت مجهر تقرير الاستخبارات الأخير عن ملف إيران النووي لن يذهب بعيداً بعد ذلك في اختيار المواجهة العسكرية لحل الأزمة التي تطل برأسها بين فينة وأخرى عبر التصريحات النارية لدى المسؤولين في إيران أو عبر مطالب إسرائيل بالعودة إلى المواجهة ولو بصفة فردية بعد الموافقة الأميركية. من الواضح الآن، أن الملفين المتداخلين سيرحلان إلى حين وضوح الرؤية الأميركية في أوائل عام 2009، مع عدم الإغفال بأن السياسة في كل أطوارها قلابة.