يعتقد الكثيرون خطأ، في ظل تدفق الأخبار والمقالات عن أبحاث الخلايا الجذعية، والاستنساخ البشري، وزراعة الأعضاء الحيوانية، أن الطب الحديث قد نجح في التخلص من الأمراض الأساسية البسيطة، وأخذ على عاتقه الآن مكافحة الأمراض المستعصية بالغة التعقيد. والحقيقة هي أنه في الوقت الذي تحقق فيه العلوم الطبية قفزات واختراقات هائلة، نجد أن نظم الرعاية الصحية الأولية، لا زالت عاجزة عن التعامل مع أبسط الأمراض والعلل. هذه المفارقة بدت واضحة للعيان هذا الأسبوع، عندما رصعت الصفحات الأولى للعديد من وسائل الإعلام العالمية، بخبر حصول البروفيسور "إيان ويلمت" على لقب فارس من ملكة بريطانيا، مكافأة على جهوده في استنساخ النعجة "دوللي" عام 1997، أثناء عمله في معهد "روزلين" باسكتلندا. وفي نفس اليوم، وبشكل يتميز بدرجة من الحياء، نشرت دائرة الصحة البريطانية تقريراً صحفياً، مفاده أن حالات الكساح (Rickets)، ولين العظام، تشهد تزايداً مطرداً بين العديد من أطفال الأقليات، وأطفال فئات المجتمع البريطاني المختلفة. هذا على رغم أن سبب الإصابة بالكساح، نتيجة نقص فيتامين (D) من جراء قلة التعرض للشمس، قد اكتشف منذ عقود، وهو ما دفع الكثيرين للاعتقاد بأن الكساح سيصبح من الأمراض التاريخية. هذا التزايد المستمر في حالات الكساح بين الأطفال، ولين العظام بين البالغين، لا يقتصر على دول الشمال التي تحجب فيها الغيوم أشعة الشمس معظم أيام السنة، بل يمتد حتى في دول المنطقة العربية، التي تسطع فيها الشمس لساعات طويلة غالبية الأيام. وهو ما اتضح بداية الصيف الماضي، عندما نشرت وسائل الإعلام المحلية والعالمية نتائج دراسة صدرت عن جامعة الإمارات في العين، ونشرت في إحدى الدوريات الطبية المرموقة (American Journal of Clinical Nutrition). هذه الدراسة تضمنت تسعين امرأة يرضعن أطفالهن، وثماني وثمانين أخريات لم يحملن من قبل. وكانت المفاجأة أن جميع النساء في المجموعتين، كن مصابات بنقص فيتامين (D)، ما عدا امرأتين فقط. وحتى بعد أن تم علاج واحدة وسبعين امرأة منهن، لمدة ثلاثة أشهر، بجرعات كبيرة من فيتامين (D2)، لم تصل نسبة الفيتامين في الدم إلى المستوى الطبيعي، إلا لدى واحدة وعشرين منهن، أي ثلاثين في المئة فقط. بينما ظلت سبعون في المئة منهن، يعانين من نقص في مستوى الفيتامين في الدم. ولكن ما هي العلاقة بين هذا الفيتامين، وأشعة الشمس، والكساح أو لين العظام؟ هذه العلاقة تبدأ من احتياج الجسم للكالسيوم، العنصر الأساسي في بناء العظام وتدعيمها. ولكن كي يتمكن الجسم من تنظيم مستوى الكالسيوم في الدم، لابد من وجود فيتامين (D)، الذي يساعد أيضاً على إعادة امتصاص الكالسيوم من الكلية قبل أن يخرج مع البول. ويحصل الجسم على احتياجاته من الفيتامين بإحدى طريقتين، إما من خلال ما نتناوله من أطعمة، أو من خلال تعرض الجلد لأشعة الشمس. وبما أن القليل من الأطعمة تحتوي على كميات كبيرة من فيتامين (D)، يبقى تصنيع الفيتامين في الطبقات الخارجية من الجلد، أحد أهم المصادر لسد احتياجات الجسم منه. وتزداد قدرة الجسم على تصنيع الفيتامين لدى الأشخاص ذوي البشرة البيضاء، بينما تقل هذه القدرة لدى الأشخاص ذوي البشرة الداكنة. وتتأثر هذه العملية الطبيعية بشكل كبير بعادات الزي والملابس، كما هو في دول الخليج العربي والشرق الأوسط. فبخلاف تمتع سكان هذه المناطق ببشرة داكنة تحد من قدرة الجسم على تصنيع الفيتامينات، وبالإضافة إلى حرارة الجو التي تدفع الكثيرين لتجنب أشعة الشمس، تنحو نساء المنطقة إلى تغطية معظم مناطق الجسم، بما في ذلك الوجه واليدان أحياناً. هذا الخليط الثلاثي، ربما كان هو السبب خلف الانتشار الواسع لنقص الفيتامين بين نساء المنطقة، كما ظهر من دراسة جامعة الإمارات الصيف الماضي. وتتفاقم هذه المشكلة لدى النساء الحوامل والرضع، بسبب اعتماد الجنين والطفل حديث الولادة، على جسد الأم ولبنها لسد احتياجاته من هذا الفيتامين، وخصوصاً من يعتمد منهم على الرضاعة الطبيعية. ومثل هذا الوضع يمكن التعامل معه على ثلاثة محاور؛ أولاً: زيادة وقت التنزه بصحبة الأطفال في الحدائق والأماكن المخصصة للسيدات فقط، التي لا تتطلب تغطية جميع أجزاء الجسد. ثانياً: الاعتماد على الأغذية المدعمة بفيتامين (D)، الموجودة بوفرة في محلات البقالة والسوبرماركت، مثل الزبادي، والحليب، وحبوب الإفطار، والخبز، وبعض المخبوزات. ثالثاً: تناول جرعة يومية أو شهرية من الفيتامين. وهذا المحور الثالث لابد وأن يتم تحت إشراف طبيب، مع الأخذ في الاعتبار كمية التعرض اليومي لأشعة الشمس، وكمية الأغذية المدعمة، لما لفرط الجرعة من فيتامين (D) من آثار صحية سلبية. وهذه الاستشارة الطبية ضرورية في أوقات الحمل والرضاعة، ويجب أن تعرض لجميع الاحتياجات الغذائية للمرأة في تلك الفترات المهمة. ويبقى أن نذكر أخيراً أن تعريض الوجه واليدين والذراعين، لفترة عشر أو خمس عشرة دقيقة لأشعة الشمس، مرتين في الأسبوع على الأقل، يعد فترة كافية لتصنيع احتياجات الجسم من الفيتامين. بينما تحمل فترات التعرض الطويلة في طياتها زيادة احتمالات الإصابة بسرطان الجلد، وخصوصاً لدى الأشخاص ذوي البشرة البيضاء. د. أكمل عبد الحكيم