صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

"زوما": مفاجآت في انتظار مُحارب "الزولو"!



"زوما": مفاجآت في انتظار مُحارب "الزولو"!



عرف شعب "الزولو" تاريخياً، بأن له وضعاً خاصاً في التركيبة العرقية والاجتماعية المعقدة في جمهورية جنوب أفريقيا. فهذا الشعب الأفريقي الذي هزم مرات عديدة جيوش المستعمرين البيض في أواخر القرن التاسع عشر، والذي يحمل ثقافة زنجية خاصة ومميزة، ظل دائماً يحتفظ بخصوصية مصمَّتة لا تخترقها سهام التفاعل والاختلاط مع بقية الشعوب الأفريقية والأوروبية والآسيوية التي يتشكل منها ذلك الخليط البشري المعقد المكون لسكان جنوب أفريقيا. وقد اقتضت هذه الخصوصية خلال فترة النضال ضد نظام التمييز العنصري "الآبرتهايد" أن يقف "الزولو" على مسافة معينة من مختلف تكوينات شعب جنوب أفريقيا. فلا هم انضموا بقوة، ودون قيد أو شرط، لنضال الأغلبية الأفريقية السوداء التي كان يقودها حزب "المؤتمر الوطني الأفريقي" الحاكم اليوم، ولا هم وقفوا أيضاً مع نظام الأقلية البيضاء كما فعل معظم "الأفريكانز"، بل لقد ظلوا دائماً تقويماً سياسياً ومشروعاً اجتماعياً ثقافياً قائماً بذاته، وهو ما قوَّى من أسباب ذلك الشد والتجاذب العنيف بين "الزولو" و"حزب المؤتمر"، الذي بلغ ذروته في العقود القليلة السابقة على سقوط النظام العنصري، وقد تمثل ذلك التجاذب والافتراق بوضوح في توجهات حزب "الزولو" الشهير "إنكاتا" وقائده "مانغوسوتو بوتوليزي".



وبعد انتصار المشروع الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا مع مطلع التسعينيات توقع كثير من المراقبين أن يحل الصراع الدموي بين "الزولو" و"المؤتمر" محل الصراع السابق بين السود عموماً والبيض. ولكن حكمة الرئيس الأسبق نيلسون مانديلا، وقد استلم الحكم، خيبت جميع تلك التوقعات، حيث دمج "الزولو" ضمن المشروع الوطني الأفريقي، ورسخ دعائم مجتمع الديمقراطية والمساواة. وهي رؤية ربما تلوح اليوم في الأفق فرصة تاريخية نادرة لتعزيزها وترسيخها، بانتخاب جاكوب زوما على رأس حزب "المؤتمر"، وهو المنحدر من قبائل "الزولو"، وصاحب النضال الطويل إلى جانب مانديلا ومبيكي، ضد نظام الأقلية البيضاء العنصري.



لكن، من هو جاكوب زوما؟ وما هي الآفاق التي يفتحها انتخابه على رأس الحزب الحاكم في جمهورية جنوب أفريقيا؟ وهل يؤدي تعبيد الطريق أمامه ليكون خلف الرئيس الحالي ثابو مبيكي، بعد انتخابات 2009 الرئاسية، إلى توحيد تاريخي لجناحي المشهد السياسي الزنجي الجنوب أفريقي بتوحيد "الزولو" و"المؤتمر"؟



ولد جاكوب زوما في 12 أبريل 1942 ببلدة "نكادلا" بإقليم "ناتال" الجنوب أفريقي، حيث تكثر إثنية "الزولو" العرقية التي ينتمي إليها. وقد ولد لعائلة فقيرة، حيث عرف طفولة معذبة ومحرومة، خاصة بعد موت والده –الشرطي- وعمره لم يتجاوز 3 سنوات. هذا في حين اضطرت ظروف الفاقة، والفصل العنصري، والدته للعمل في خدمة منازل البيض. وقد امتهن زوما في وقت مبكر رعي الأبقار في ضواحي مدينة ديربان، ولم يتلقَّ أي تعليم، من أي شكل. ومنذ سن الـ17 أصبح عضواً في حزب "المؤتمر الوطني الأفريقي"، وبعد حظره سنة 1960 أصبح ناشطاً فاعلاً في صفوف جناحه المسلح السري تحديداً، الذي صنع فيه سمعة كبيرة باعتباره قائداً ذكياً وشجاعاً، وإن كان غير متعلم بشكل واضح. وفي سنة 1963 كلف بتسريب مجموعة من مقاتلي الحزب إلى إقليم "ناتال" فوقع رفقة 20 من مجنديه في أيدي قوات أمن نظام جنوب أفريقيا العنصري السابق. وبعد محاكمة صورية حكم عليه بالسجن النافذ 10 سنوات، وحوِّل لقضاء محكوميته في معتقل "جزيرة روبن" الرهيب، حيث كان يجاوره في الزنزانة نيلسون مانديلا وزعماء آخرون من قادة "المؤتمر الوطني"، هم من انتهز الفرصة ليتعلم على أيديهم لأول مرة أصول القراءة والكتابة والتمييز بين الحروف الهجائية، كما تعلم أصول السجال السياسي والأيديولوجي.



وبعد خروجه من السجن، غادر سنة 1975 جنوب أفريقيا ليستقر في موزمبيق، حيث تولى نائب رئيس مكتب الحزب، إلى أن اضطرت الحكومة الموزمبيقية لإبعاده تحت ضغوط قوية من نظام بيتر بوتا في بريتوريا. فاستقر "زوما" على رأس جهاز استخبارات الحزب في جمهورية زامبيا، ومن هناك تولى إعادة تنظيم الجناح العسكري. وبهذه الصفة أصبح عضواً في المكتب السياسي والمجلس العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي.



ومع رفع الحظر عن حزب "المؤتمر" سنة 1990 من طرف حكومة فريدريك دي كليرك، التي قضت على نظام التمييز العنصري، عاد جاكوب زوما إلى جنوب أفريقيا، وتولى جانباً مهماً من المفاوضات مع النظام الأبيض السابق. كما أشرف في سنة 1991، وقد أصبح نائباً للأمين العام للحزب، على تنظيم عودة المنفيين والمهجَّرين الأفارقة، وهذا ما فتح له قلوب آلاف الناشطين السياسيين ذوي التأثير اللاحق في المشهد السياسي الجنوب أفريقي، إضافة إلى دوره الكبير في إعادة أجواء السلام الأهلي في إقليم "ناتال"، الذي ظل لفترة طويلة موقع اصطدام دائم بين حزب "المؤتمر" وحزب "الزولو" المعروف باسم "إنكاتا". ولاشك أن انتماء "زوما" الحزبي ومكانته في المؤتمر، من جهة، وانتماءه الإثني باعتباره من "الزولو"، سهَّل عليه مثل هذه المهمة العصية.



وفي 1999 اختار الرئيس ثابو مبيكي -المنتمي إلى عرقية "كسوزا" مثل سلفه نيلسون مانديلا- رفيق سلاحه في الحزب ابن الزولو "جاكوب زوما" ليكون نائباً لرئيس الجمهورية، وهي وظيفة استمر فيها حتى اضطر لإقالته على وقع اتهامات بالفساد، وإدانة لمستشاره الاقتصادي في قضية "ثينت - تاليس" الشهيرة. ومنذ ذلك التاريخ بدأت علاقة الرجلين تأخذ منحى من التصعيد والتنافس، انتهى بفوز "زوما" هذا الأسبوع، وبفارق كبير، بزعامة الحزب الحاكم، واضعاً بذلك حداً لطموحات "مبيكي" لتولي فترة رئاسية ثالثة.



وعلى وقع الصراع العنيف بين "مبيكي" و"زوما" شهد مؤتمر الحزب الحاكم هذا الأسبوع درجة من الاستقطاب لا سابق لها، حيث تمكن الأخير من تعبئة النقابات واتحادات النساء والشباب، والحزب الشيوعي الجنوب أفريقي، وصنع بهذه الخلطة السياسية والاجتماعية الشعبوية الفارق الكبير بينه وبين منافسه "مبيكي" الجالس للمفارقة في قصر الرئاسة، والذي لا ينقصه هو الآخر المناصرون حتى في صفوف "الزولو" أنفسهم، والنساء بما في ذلك زوجة "زوما" السابقة، ووزيرة خارجية جنوب أفريقيا الحالية.



ولئن كان فوز "زوما" والاحتمال القوي لتسلمه الرئاسة سنة 2009 يفتح فرص اختفاء المنافسة التاريخية العنيدة بين "المؤتمر" و"الزولو"، على اعتبار أن الرجل -شديد الالتزام سياسياً تجاه حزبه، وشديد التمسك اجتماعياً بانتمائه لـ"الزولو" وثقافتهم- يعد نقطة التقاء بينهما، إلا أن مؤتمر الأخير أبرز إمكانية ظهور أعراض وبوادر لانشقاق حقيقي في صفوف حزب "المؤتمر". كما عبرت قطاعات واسعة في مجتمع الاستثمار العالمي، عن تخوفها من توجهات "زوما" المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الحزب الشيوعي، وأفكاره الصارخة، والحلول الجذرية و"الثورية"، للتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية في جنوب أفريقيا، وما يذكر كثيرين بأفكار الرئيس الزمبابوي روبرت موجابي، هذا إضافة إلى قضايا وتهم الفساد الملاحق فيها، والتي دعا منافسه لإعادة تفعيل العديد منها، وهو ما قد يخبئ مفاجآت غير سارة كثيرة في طريق محارب "الزولو" العنيد، إلى قصر الرئاسة.



حسن ولد المختار

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟