يعرف "جوناثان مايهيو"، صائد السمك الذي ينحدر من أسرة عملت في نفس المجال لثلاثة أجيال، أكثر من غيره أنه ليس هناك أروع من رؤية مجموعات كبيرة من سمك التونا، الشبيهة بالصواريخ الصغيرة، قد تصل إلى 200 سمكة وهي تنتقل في عمق البحر، لا سيما وأن البعض منها قد يبلغ وزنه عدة مئات من الأرطال. لكنه يعرف أيضاً أن هذا المنظر البديع الذي دأب على مراقبته من الجو، قد لن يتكرر ثانية في ظل الوتيرة الحالية للصيد، التي تؤدي إلى استنزاف أسماك التونا الجميلة. ويعبر عن هذا الخوف "مايهيو" بقوله "لم تعد أسماك التونا بالأعداد التي كانت عليها في السابق، وأن سمك التونا، وبخاصة النوع الذي يملك زعانف زرقاء أصبح قليلاً، إن لم يكن معدوماً في خليج ماين"، وهو خليج يطل على الساحل الشرقي الأميركي واشتهر بوفرة أسماكه بأنواعها المختلفة، وبخاصة سمك التونا. ويتفق مع مخاوف "مايهيو" العلماء الذين يقرون بصعوبة الوضع بالنسبة للأسماك في الخليج الأميركي، ومن بينهم "مولي لوتكافاتج"، مدير مركز الأبحاث البحرية في جامعة "نيو هامبشير" الذي يقول في هذا الصدد: "لقد استنزفت عمليات الصيد المفرطة في حجمها الأسماك التي تصل إلى خليج ماين". ولم يسحب الصيادون خلال العام الجاري سوى 12% من أصل 1.533 طنا التي تشكل حصة الولايات المتحدة، وهي أدنى نسبة منذ عدة سنوات. وبالنسبة للصيادين الأميركيين ليس هذا التراجع الكبير في أعداد الأسماك وانحسار الصيد، الذي كان يدر في السابق 19 مليون دولار، سوى حلقة أخرى ضمن سلسلة من الصعوبات التي بات يعانيها قطاع الصيد في الساحل الشرقي للولايات المتحدة ويستوجب اتخاذ التدابير العاجلة للتصدي لها. وحسب المعلومات المتوفرة لدى العلماء فإن الإفراط في صيد أسماك التونا في البحر الأبيض المتوسط وشرق المحيط الأطلسي قد يكون المسؤول عن انخفاض أعداد الأسماك المهاجرة التي تفد سنوياً إلى السواحل الأميركية. فيما يفسر آخرون هذا التراجع في كميات الأسماك بتأثير التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، لا سيما التقلبات الجوية في القطب الشمالي وانعكاساتها السلبية على الأسماك. وأمام هذا الوضع المنذر بالخطر، تعالت الأصوات المطالبة بفرض وقف لصيد أسماك التونا بعدما تراجعت أعدادها بشكل مثير للقلق في السنوات الأخيرة، وذلك بهدف توفير الفرصة لتكاثر الأسماك ومنح فسحة من الوقت للعلماء كي يتوصلوا إلى حلول مناسبة. ويشير العالم البيولوجي "كلاي بروتش" من الوكالة الأميركية للصيد البحري إلى أن "القواعد والقوانين المعقدة التي فرضت للحد من الصيد واستنزاف كميات السمك لم تأت بنتائج إيجابية وباءت كلها بالفشل. لذا يتعبن تبني إجراءات حاسمة تضعنا على السكة الصحيحة". والأهم من التوصل إلى أساليب مبتكرة لحماية الأسماك التي بدأت تقل أعدادها في البحار والمحيطات يبرز سؤال أهم يتعلق بطريقة تعامل الإنسان مع الخيرات التي تزخر بها مياه المحيطات وكيفية تدبيرها قبل فوات الأوان. ويبدو أنه لحد الآن مازالت الوكالات الدولية المعنية بتنظيم صيد الأسماك غير مستوعبة لمدى خطورة الوضع. فبرغم دعوات المشرعين الأميركيين والعلماء على حد سواء إلى تعليق صيد سمك التونا المهدد، لم تتخذ اللجنة الدولية للحفاظ على سمك التونا في اجتماعها المنعقد في شهر نوفمبر الماضي أية إجراءات فعالة لخفض حصص الصيد. وكما هو الشأن بالنسبة للاتفاقيات الدولية التي تفشل في وضع قواعد متفق عليها، واجهت اللجنة الدولية للحفاظ على سمك التونا صعوبات كثيرة بسبب تضارب مصالح الدول الأعضاء. وبالنظر إلى الخطر الحقيقي الذي يتهدد مستقبل سمك التونا وغياب مقاربة ناجعة للتصدي له يركز العلماء على معالجة شاملة تأخذ في عين الاعتبار مجمل النظام البيئي أثناء تحديد حصص صيد السمك. ويوضح هذه المقاربة الجديدة "دون بيركينز"، رئيس معهد الصيد البحري في بورتلاند بأميركا قائلاً "إن النظام الجديد الذي نسعى إلى تطبيقه لا يهتم فقط بالأنواع الحيوانية منفردة، بل ينظر إلى جميع الأنواع بما فيها أسماك التونا". ويشار إلى أن سمك التونا ذا الزعانف الزرقاء ينتقل عبر مسافات كبيرة، كما أن فترة حياته تصل إلى ثلاثين سنة، وعندما تبلغ مرحلة التزاوج ترحل أسماك التونا إلى المياه الدافئة مثل خليج المكسيك، أو البحر الأبيض المتوسط لوضع بيضها. وبرغم التدابير الجيدة التي تحمست لها الوكالة الأميركية للصيد البحري، التي دعت إلى تعليق صيد أسماك التونا لفترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، ووافق عليها الكونجرس الأميركي مازالت اللجنة الدولية لحماية سمك التونا مترددة في إقرار مثل تلك التدابير بعد أن وافقت على خفض محدود لحصص الصيد لم تتعد 25 ألف طن في السنة. وتعليقاً على هذا القرار قالت المؤسسة العالمية للحياة البرية إنه "يشكل ضربة قوية لسمك التونا في البحر الأبيض المتوسط". وحملت المؤسسة المسؤولية إلى أصحاب مزارع التونا في الدول الأوروبية المطلة على البحر الأبيض المتوسط التي تريد الاحتفاظ على امتيازاتها بصرف النظر عن تهديد مستقبل السمك نفسه واستمرار تواجده في البحار والمحيطات. وفيما يرى البعض أن الصيد المفرط هو السبب الرئيس وراء تناقص أسماك التونا، يرى البعض الآخر أن المسؤول الأول هو ظاهرة الاحتباس الحراري التي باتت تلقي بضلالها على العديد من الأنواع الحيوانية، ومن بينها الأسماك. فحسب العلماء تفضل أسماء التونا المياه الدافئة، وهو ما يفسر استقرارها سابقاً في خليج "ماين" الأميركي ومناطق أخرى، فهل يكون بقاؤها في الشمال ناتجا عن ارتفاع درجة حرارة المياه هناك؟ ورغم صعوبة الجزم بذلك، فإن العلماء يحذرون من التغيرات الملموسة لدرجة حرارة المحيطات والتأثير السلبي لذلك على الأسماك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مواسييه فيلاسكيوز-مانوف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتبة أميركية متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"