الكتاب الذي نعرضه هنا تحت عنوان: "القوة والوفرة: التجارة والحرب والاقتصاد العالمي في الألفية الثانية" لمؤلفيه "رونالد فيندلاي" و"كيفين أورورك" يطرح فكرة أساسية مفادها أننا لا نستطيع فهم الاقتصاد العالمي اليوم واستبطان أغواره السحيقة التي تستغلق على القارئ العادي، وأحياناً حتى على المتخصص دون أن نفهم التاريخ الذي أفرز هذا الاقتصاد. فبالرجوع إلى التاريخ والتطورات التي سجلها على مدار القرون السابقة يمكننا الإحاطة بالظواهر الاقتصادية المعاصرة مثل العولمة وغيرها. إضافة إلى أن التداعيات الاقتصادية والسياسية للعولمة لم تنشأ من فراغ، بل هي نتيجة صيرورة ممتدة من التطورات الاقتصادية والسياسية على مدار القرون السابقة. لكن عملية التطور التاريخي نفسها التي شهدها الاقتصاد العالمي من بداياته الأولى، وحتى تعقيدات العولمة وتناقضاتها، إنما تبلورت من خلال المتغيرات الناتجة عن تفاعل مناطق العالم المختلفة وتفاعلها مع بعضها بعضاً ليس فقط من خلال العلاقات الاقتصادية والتجارية، بل أيضاً عبر التفاعل الثقافي والسياسي. هذا التفاعل بين أنماط التجارة وأشكالها من جهة والتطورات السياسية والاقتصادية بعيدة المدى على الساحة الدولية هو ما يسعى الكتاب إلى كشفه وإلقاء الضوء عليه. لكن الإمساك بخيوط التجارة العالمية على مدى الألف سنة الأخيرة بما ينطوي عليه هذا العمل من جهد بالغ وعناء كبير دفع المؤلفين إلى التخفف من الجانب الاقتصادي المحض والتركيز على تاريخ العالم خلال تلك الحقبة والمزج بين الاثنين لتقديم مادة مستساغة للقارئ. والواقع، كما يقر بذلك المؤلفان، أن أحد الملامح المميزة للكتاب هو الاستناد إلى الحوادث التاريخية المفصلية في حياة البشرية من حروب ونزاعات كبرى واكتشافات جغرافية، فضلاً عن التدافع الجيوسياسي بين الإمبراطوريات والحضارات لتفسير التطور التجاري. فالكتاب يركز على أشكال العلائق التجارية في فترة معينة على امتداد الألفية الأخيرة سواء كانت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر أو اجتياح المغول للشرق الأوسط، أو غيرها ويربط ذلك بالتطور العام للاقتصاد العالمي من خلال إبراز تأثير الحوادث المنفردة على المسار الشامل لتطور التجارة العالمية. وهنا يبرز المؤلفان نقطة مهمة تتمثل في المحرك الأساسي الذي يحفز التطور الاقتصادي ويدفع بعجلة التجارة إلى الأمام، إذ حسب رأيهما لم تتوسع التجارة العالمية بسبب المبادئ المثالية، أو لمجرد الرغبة في بيع السلع والبحث عن الأسواق، بل كانت هناك المدافع والحروب التي لعبت دوراً كبيراً في توسيع حدود التجارة ومدها إلى قارات وأماكن متباعدة من خلال إخضاع الشعوب واستعبادها أحياناً والنفاذ إلى المراكز الغنية بالمواد الأولية. ولفترة طويلة كانت أنماط التجارة قائمة على التوازن السياسي والعسكري بين القوى المتصارعة ليستخلص المؤلفان أنه بقدر ما تؤثر السياسة في التجارة وترسم ملامحها تساهم التجارة أيضاً في التأثير على السياسة وتحديد توجهاتها. ففي الوقت الذي مال فيه الاقتصاديون إلى التشديد على دور السلام العالمي في دعم التجارة والازدهار الاقتصادي يدعو الكتاب إلى عدم تجاهل التدافع الإنساني على الموارد القليلة، والسعي إلى توزيعها في إقامة العلاقات التجارية وتعميقها. فكما أن لفترات السلم دوراً في تطور حركة التجارة العالمية، فإن لأوقات التوتر والصراعات دوراً حاسماً أيضاً في تعزيز التجارة من خلال التدخل العسكري وفرض شروط الطرف الأقوى. ولأن الكتاب يعطي للقراءة التاريخية أهمية كبيرة فإنه يستعرض الثورة الصناعية التي شهدها القرن التاسع عشر، ويعتبرها إحدى العلامات الفارقة في الألفية الأخيرة، ليمضي في دراسة تاريخية يرى من خلالها الإنجازات التكنولوجية التي عرفتها أوروبا الغربية، وبريطانيا تحديداً، قبل أن تمتد إلى باقي العالم بحكم كونها ليست وليدة صدفة، أو مجرد عبقرية فذة تفتقت عنها عقول الأوروبيين، بل كان لها ما يبررها تاريخياً. كما كان لهذه الثورة الصناعية أثر بالغ على الاقتصاد العالمي بعد أن قربت الأسواق العالمية لأول مرة إثر اكتشاف المحرك البخاري واستخدامه في السفن، وهو ما ستنتج عنه أيضاً تحولات اجتماعية كبرى تمثلت في اتساع الهوة بين المناطق المختلفة وبروز مركز للإنتاج الصناعي وهامش غني بالمواد الأولية. لكن الثورة الصناعية لا يمكن فهمها من دون وضعها ضمن صيرورة تاريخية ترجع إلى القرون الوسطى، وإلى شبكة متداخلة من الحروب والديناميات الأخرى مهدت الطريق لظهور الثورة الصناعية. وينتقد المؤلفان في هذا الإطار تلك المقولات التي تنسب للمؤسسات الأوروبية، أو خصائصها الثقافية الفضل فيما حققته من إنجازات، والتي تفسر صعود الغرب بمقومات داخلية، لأنها تتجاهل، في نظر المؤلفين، ذلك النسيج المتداخل من العلاقات بين أوروبا وباقي العالم، التي تشكلت على مدى حقب طويلة وساهمت في بلورة الإنجازات العلمية والاقتصادية لأوروبا الغربية. وإذ كان حس المغامرة والابتكار حاضراً في التجربة الأوروبية، إلا أن الكتاب يعيد التركيز على تجربة التوسع التجاري وما تبعه من إلحاق استعماري لمناطق شاسعة من العالم أفادت أوروبا وغيرت الكثير من المعطيات الدولية. ومع أن فترة الثورة الصناعية كانت قد قطعت إلى حد ما مع عصور النهب والسرقة التي شهدتها العصور الوسطى، إلا أنه لا يمكن إنكار دور الاستعمار في الوصول إلى أسواق جديدة وتعزيز حركة التجارة العالمية. وبهذه الطريقة تتخذ الصراعات الحالية التي يعيشها العالم جذوراً عميقة تمتد إلى التفاعلات السابقة للكتل الحضارية والمناطق الجغرافية المختلفة. وهذا العامل الأخير، أي الجغرافيا، يوليه الكتاب أهمية خاصة في تفسير التطور التجاري. فلو كان "جينكيز خان" مثلاً قد ولد في نيوزيلندا، لما ترك أي أثر في التاريخ الإنساني، ولما غير خريطة آسيا الوسطى. كما أنه من الطبيعي أن يفكر أوروبي في سلوك طريق الغرب للوصول مباشرة إلى الهند، بينما لا يستطيع الصيني، مهما شطح به الخيال، التفكير في الإبحار عبر المحيط الهادي للوصول إلى الهند. زهير الكساب ----------- الكتاب: القوة والوفرة: التجارة والحرب والاقتصاد العالمي في الألفية الثانية المؤلفان: رونالد فيندلاي وكيفين أورورك الناشر: مطبوعات جامعة برينستون تاريخ النشر: 2007