من أعاجيب السياسة الإقليمية أن يجري فيها الكثير، وأن تتغير ملامح وتفتح قنوات أو تضمحل أخرى، وتمور وتفور دائماً أحداث جديدة، ولكن تبقى المحصلة النهائية متعادلة وقديمة. في هذه الحالة يراوح الواقع السياسي في المنطقة في مكانه دون تغيير ودون منتصر أو مهزوم، بل ودون أن تتعزز طريقة ما لضبط التوازن وحصد التوافقات الممكنة في مفاوضات كثيرة تمت أو تتم دونما إعلان في أكثر الأحيان، وبإعلان صاخب أو حائر أحياناً أخرى. ويتركنا هذا الواقع المراوح أو المراوغ حائرين لا ندري ما قد يبقى وما قد يتبخر من الظواهر المستجدة على الساحة خلال هذا العام. لنجرب بحث طبيعة هذه الظواهر كما وقعت خلال عام 2007 تبعاً لدرجة أهميتها. أهم الظواهر المستجدة على المستوى الاستراتيجي في الساحة الإقليمية هذا العام هو انخفاض مستوى العنف خلال النصف الثاني من العام في العراق، وهو ما يحسب لصالح إدارة بوش لأول مرة منذ نهاية 2003. البعض ينسب هذه الظاهرة لبروز موقف جديد بين القبائل والعشائر السُّنية العراقية يرى في سلوك التيار الجهادي القاعدي خطراً أشد على بلاده ومصالحه من الاحتلال الأميركي نفسه. وقد انتهى هذا الموقف إلى تصدي القبائل والعشائر لـ"القاعديين" وهزيمتهم في مواجهات ثقيلة وقد تصنع اتجاهاً جديداً في الساحة العراقية. البعض الآخر ينسب هذه الظاهرة إلى بروز استراتيجية أميركية جديدة في التعامل مع العراق ومع المنطقة بشكل عام وهي الاستراتيجية المتضمنة في تقرير "بيكر- هاملتون". ومن أبرز علامات هذه الاستراتيجية زيادة القوات الأميركية زيادة محسوسة في العراق، وهو ما كان أدى إلى تحسن ملموس في قدراتها الهجومية. وينسب البعض الثالث قيمة أكبر لتغيير التكتيكات السياسية الأميركية وحرصها على كسب رؤساء العشائر والقبائل في القلب السُّني وخاصة في محافظة الأنبار. وهناك أخيراً من ينسب الفضل في هبوط مستوى العنف في العراق خلال النصف الثاني من العام إلى "تفاهم ما مع إيران" أدى إلى "ضبط" أداء وسلوك التنظيمات الشيعية المتطرفة وخاصة قوات الصدر المسؤولة أكثر من غيرها عن المذابح الطائفية خلال الأعوام الثلاثة الماضية. ويبدو أن الإدارة الأميركية لعبت مع إيران لعبة مزدوجة: فهي قيدت حرية قوات الحرس الثوري الإيراني التي كانت تعمل بدون عوائق داخل العراق باعتقال عدد من أبرز قياداتها وفي نفس الوقت فهي "تفاهمت" مع إيران عبر جلسات حوار سرية. هل تصمد هذه الظاهرة وتتحول إلى معطى استراتيجي جديد؟ تبدو تلك هي القراءة الآتية من أميركا وخاصة بعد أن صوت الكونجرس للموازنة التي طلبها بوش لقواته في العراق خلال الأسبوع الماضي. ومع ذلك فإن فلسفة "بيكر- هاملتون" نفسها تقوم على سحب جانب كبير من القوات الأميركية بدءاً من منتصف عام 2008. ويعتقد عدد كبير من المراقبين أن ظاهرة انخفاض العنف في العراق مؤقتة بطبيعتها. وأعتقد شخصياً أن الاحتلال الأميركي إلى زوال حتمي وأن مركباً جديداً للمقاومة مرشح للظهور خلال عام 2008. ومقابل بروز قوة إيران بدرجة أكبر هذا العام واضطرار الإدارة الأميركية للتأقلم مع هذه النتيجة بدأت دول مجلس التعاون الخليجي في رسم توجهات جديدة نسبياً. أبرز هذه التوجهات تأكيد شخصية مجلس التعاون الخليجي على حساب كافة الأطر الأخرى بما فيها الجامعة العربية بالطبع. وكان المجلس قد اهتز بوضوح كإطار لصنع السياسة الخليجية بعد الغزو الأميركي للعراق. ويرتبط بتقوية مجلس التعاون الخليجي انتهاج سياسة توازنية نحو إيران تجمع بين التركيز على التوازن الاستراتيجي من ناحية والتقدم بمبادرات كبرى جديدة من ناحية أخرى. وتقدمت السعودية بالذات بمبادرة كبيرة جديدة تماماً نحو إيران تقترح التنسيق والمشاركة في مجال سياسات الطاقة النووية والعمل المشترك على مستويات متعددة بهدف إبعاد شبح الحرب عن المنطقة، وتأكيد الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني. وبينما تعد هذه المبادرة تغيراً مهماً في الموقف من إيران والذي بدا متشدداً إلى حد كبير خلال الفترة 2005- 2006 فهي لم تتم على حساب العلاقات الاستراتيجية مع أميركا. ومن الطريف أن جهود إعادة النظر في العلاقات السعودية الأميركية انتهت إلى تأكيدها وليس إلى تخفيضها! وعلى المستوى الخليجي لاشك أن العلاقات مع أميركا تعززت كثيراً وخاصة بعد الإعلان عن صفقات أسلحة كبيرة جديدة لدول الخليج، وفي نفس الوقت بدأت سياسة اشتباك بناء مع إيران عبرت عن نفسها في دعوة الإيرانيين للمشاركة كمراقبين في اجتماعات المجلس. بدت السياسات الخليجية وكأنها تبني لأول مرة موقفاً استراتيجياً مستقلاً من إيران لا يفك العلاقة التحالفية مع أميركا ولكنه لا يحصرها في هذه العلاقة بل يمنح دول الخليج مرونة كبيرة ومساحة أكبر للمناورة إيجاباً وسلباً مع إيران. ويتسم هذا الفضاء الأكبر للمناورة بأنه عسكري وسياسي واقتصادي في نفس الوقت, كما أنه يبدو تعايشياً من الناحية الأساسية ولكنه لا يستبعد الصراع النشط أو المحكوم بدرجة أو بأخرى. وفوق ذلك فهذا التضاغط أو التعايش الصراعي يركز على استقلالية الجغرافيا السياسية في منطقة الخليج بذاتها ولكنه يمتد أيضاً إلى الساحة العربية وتحديداً المشرقية. بل ولاشك أن له أبعاداً داخلية محلية وإن متغيرة ومتباينة بين حالة وأخرى. وباختصار يبدو أن مجلس التعاون الخليجي قد صاغ وبدأ أخيراً تطبيق استراتيجية أكثر تعقيداً وتوازناً نحو إيران وأمن المنطقة من كل الدعوات التبسيطية التي كان متأثراً بها خلال الفترة الصعبة بين 2003 و2006. وبينما شكل العراق أهم ساحات الصراع الدولي والإقليمي في العالم العربي خلال الفترة 2003- 2006 فإن لبنان برز هذا العام باعتباره الساحة الأساسية. وهناك فارق كبير بالطبع بين الحالتين. فالجانب العسكري أكثر بروزاً في الحالة العراقية بينما لا يزال الصراع في لبنان سياسياً. ومع ذلك فإن جذوة الصراع يمكن أن تشتعل في أي وقت في لبنان لتدفع به إلى أتون حرب أهلية مدمرة جديدة. وكان الأمل هو العكس تماماً. فالسياسة التي أخذت بها الإدارة الأميركية خلال النصف الثاني من العام وبالذات في الشهرين الأخيرين تقوم على التفاهم مع الخصوم التقليديين: إيران وسوريا. وإضافة للحوار مع إيران وإعلان تقرير وكالة المخابرات الأميركية الذي يبرئ إيران من تهمة صنع أسلحة ذرية منذ عام 2003 فإن دعوة سوريا لمؤتمر أنابوليس بدت وكأنها خطوة ثورية تعني لبنان والأرض المحتلة وتعد المنطقة بحلول وسط وتفاهمات بناءة. ولم يكن ذلك هو ما حدث وهو ما يجسد ما قلناه في المقدمة من أن التحركات السلمية الجديدة لم تصنع واقعاً سياسياً جديداً، وهو أمر مثير لأشد أنواع الحيرة. وفي هذا الإطار بدا الدور المصري خلال هذا العام تائهاً وحائراً ومتراجعاً على المستوى الإقليمي. ونتيجة لهذا التراجع وقعت سلسلة الانفجارات بين "حماس" و"فتح" في لحظات متعددة خلال هذا العام وانتهت بانقلاب 14 يونيو في غزة. ولكن التراجع في الدور المصري امتد إلى مجال جغرافي سياسي أوسع بكثير. وفيما يبدو فإن التقدير الذي عملت الدبلوماسية المصرية على ضوئه هو أن الحركة الفعلية للتفاوض الجاد حول مشاكل المنطقة تبدأ عام 2008، وأن الحوار خلال عام 2007 لم يكن سوى اختبارات إرادة ومناوشات تمهيدية للاختراقات الممكنة خلال عام 2008.