أرسل لي أحدهم من مدونته مقالة عن ذهاب بعض الناس إلى قبر صدام، وبكاء صحفيين في ذكرى وفاته الأولى حيث شنق في آخر يوم من عام 2006، فأصبح سلفاً ومثلاً للآخرين، وعلمت بخبره يومها وأنا أغادر مونتريال في كندا، في محاولة من أميركا ومن شايعها من الطائفيين أن يكون شنقه مثل التقرب بالضحية يوم عيد الأضحى، فهم من صنعوه وهم من ذبحوه، كما ضحى مجرم سابق بالجعد بن درهم حين وقف خطيباً ثم قال: أيها الناس إنكم اليوم مضحُّون وأنا سأضحِّي بالجعد بن درهم، ثم قام وذبحه بجنب المنبر. وإن صح حج بعض الناس لمزاره فهذا يكرر قصة يغوث ويعوق ونسراً ولا يزيد إلا ضلالاً، ولسوف يقرأ ربما أحفادنا في كتب التاريخ المدرسية المكذوبة كما قرأنا نحن، عن ملوك بني أمية الرائعين العادلين، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. وإن صح الخبر الذي جاء من العراق فهو كشف علمي في فهم علاقة سيكولوجية الشعوب بنظام الحكم؛ فقد نقلت استطلاعات الرأي البريطانية أن أكثر من ثمانين في المئة من الشعب العراقي يعلنون عن "الحاجة إلى زعيم عراقي قوي منفرد". أي صدام جديد! وترجمة هذا الكلام أن الشعوب العربية لا تنبت الطواغيت من فراغ. والقرآن يقول "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبُث لا يخرج إلا نكداً". وعندما تتوطن ثقافة مريضة لا يمكن استئصالها مع كل الإحاطة بمسبباتها وعلاجها. وهذا أمر لا علاقة له بالطب بل بالثقافة المهيمنة. والقرآن يذكر عن عبادة العجل، أنه تحول إلى ثقافة خالطت العقول والضمائر، فقال بتعبير مبني للمجهول (وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم)، أي حصل تشرُّب لفكرة معينة؛ فتسربت إلى الثقافة كما في فيروس الإيدز الذي يتسرب إلى الكود الوراثي فيتشرّب به ويعلق. والثقافات تمرض كما تمرض الأجسام، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وصدام العراقي اليوم ذهب مثلاً وسلفاً للآخرين. وما زال يدافع عن سيرة صدام أناس يلبسون معاطف المحامين الذين دافعوا عن قضيته وبالمئات. وهناك في الصحافة العربية من يعتقد أنه بطل في تاريخ العروبة. ولو حرروه من شرك الأميركيين والطائفيين لأعلن حرباً شعبية لتحرير العراق، ولكنه هلك غير مأسوف عليه! وعندما تطوع مئات المحامين من الأردن للدفاع عن شقي العوجة فالموضوع يخرج عن دفاع إلى مظاهرة وطنية. وعندما أعدم الخميني رئيس "السافاك" ومجموعة من جنرالات الجيش الإيراني المجرمين، الذين رباهم الشاه على عينه، قالت الصحافة الألمانية يومها وحتى المجرمون يحق لهم الدفاع عن أنفسهم! وصدام كأي متهم كان يحق له أن يدافع عن نفسه، أو يدافع عنه محامٍ أو أكثر، ولكن عندما وصلت موجة الحماس إلى مئات فهو مؤشر خطير ومرض عضال في الثقافة العربية. وعندما يحج الناس إلى قبره، ألا ساء ما يعملون. وعندما هزم تشرشل في معركة غاليبولي على الساحل التركي عام 1915 استقال؟ وهو تشرشل الذي لا يهزم، ولكن الأتراك أذلُّوه وهزموه، وقد احترم نفسه فاستقال. أما في عالم العروبة فمن أعلن سقوط الجبهة ارتقى من منصب وزير الدفاع إلى رئيس تصفق له الجماهير، كما حصل مع طاغية عربي آخر، وعندما أعلن زعيم عربي غيره استقالته؛ في لعبة متقنة مدروسة بحنكة ودهاء -وكان أذكى من غيره- فخطط للمسرحية جيداً، وهو أبو المسرحيات، هتفت الجماهير بالروح بالدم نفديك يا أبو الجماجم، وخليك على رقابنا قروناً أخرى. ولو عاد صدام لهتفت الجماهير تحيِّي البطل الذي هزم ثلاثين دولة، وكسر شوكة الحلفاء أجمعين، وهزم أميركا بنفخة من سحره المبين؟ ولاخترع اسماً لمعركة جديدة اسمها "أم الهزائم". ولكن العرب أميون لا يقرؤون، والهزيمة والانتصار كلمتان وليستا حقيقتين، وإذا تم استبدال الحقائق بالكلمات، فإن القاموس يكسب كلمة، ويخسر الواقع حقيقة، ويعيش العرب في عالم السحر في قبضة ملك الجان في إجازة مفتوحة إلى يوم الدين! اللهم آمين... آمين.