تسربت من قمة الدوحة لدول مجلس التعاون الخليجي التي عقدت أواخر الشهر الماضي بعض المؤشرات الدالة على أن موضوع الأمن الإقليمي لهذه الدول كان على رأس المواضيع التي تناولتها محادثات القادة هناك. المؤشرات التي رشحت من ذلك الاجتماع (انظر مقالة الأسبوع قبل الماضي) تؤكد أن رؤية القيادة الخليجية لموضوع الأمن الإقليمي لمنطقة الخليج العربي تخضع لعملية مراجعة جادة، وأن تغيراً مهماً في هذه الرؤية قد تتضح معالمه في وقت ليس ببعيد. تقوم هذه الرؤية (للاختصار نسميها بالرؤية التقليدية) على ثلاثة عناصر: الاكتفاء بقدرات عسكرية محدودة، والاحتماء بمظلة أمنية أميركية، وترك مسألة توازن القوة الإقليمي لكل من العراق وإيران والولايات المتحدة الأميركية. ما توحي به مؤشرات قمة الدوحة يتناقض مع تلك العناصر الثلاثة. حيث يبدو أن دول الخليج العربي تتجه إلى استبدال، أو على الأقل تعديل، عناصر استراتيجية أمنها الإقليمي بحيث تصبح على النحو التالي: تعزيز القدرات الأمنية والدفاعية الذاتية لهذه الدول، وإدراك خطورة اختلال التوازن العسكري والسياسي القائم في المنطقة، وأخيراً التخفيف من الاعتماد على الدول الكبرى في تحقيق هذا التوازن. تشكل هذه العناصر مع بعضها بعضاً رؤية مغايرة للرؤية التقليدية. والعنصر الأهم في هذه الرؤية هو "تخفيف الاعتماد على الدول الكبرى" في تحقيق التوازن الإقليمي المطلوب. استخدام كلمة "التخفيف" هنا يعني أن الاعتماد على الدول الكبرى سوف يستمر، لكن ليس بالصيغة التي كان عليها في الرؤية التقليدية. في إطار الرؤية التقليدية تعتمد دول الخليج في حماية أمنها الوطني على المظلة الأمنية الأميركية بشكل يكاد يكون كاملاً (من الناحية العسكرية) من دون أن تكون طرفاً أساسياً، مشاركة وفعلاً، في هذه المظلة، وبالتالي في الأمن الإقليمي للمنطقة. هذه الصيغة من الاعتماد هي نتيجة طبيعية لتبني سياسة القدرات العسكرية المحدودة من قبل دول الخليج العربي طوال العقود الماضية. التفكير الآن بتغيير ذلك من خلال تعزيز القدرات العسكرية والأمنية لهذه الدول، والتخفيف من الاعتماد على الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، يعني أن عصر القدرات العسكرية المحدودة لدول الخليج العربي قد يكون يقترب من نهايته. وهذا، إذا ما تحقق، سوف يؤدي بالضرورة إلى تطورين مهمين: الأول أن اعتماد هذه الدول في حماية أمنها الوطني سيكون أولاً وبشكل أساسي على قدراتها العسكرية. لن تخرج هذه الدول تماماً من مظلة الأمن الأميركي للمنطقة، لكن يتطلب هذا التغير منها أن تكون طرفاً وشريكاً فاعلاً في هذه المظلة. ثانياً أن تعزيز القدرات العسكرية والأمنية لدول الخليج العربي سوف يسمح لها بأن تكون أيضاً طرفاً فاعلاً وذي وزن في معادلة توازنات القوة في المنطقة. هذه باختصار الرؤية الخليجية المتوقعة، وهي رؤية يبدو أن دول مجلس التعاون تعمل على بلورتها وصياغتها. لا نعرف كيف ستكون هذه الصياغة، ولا كيف سيتم تطبيق هذه الرؤية، وتحويلها إلى استراتيجية أمنية قائمة لدول المجلس. كذلك لا نعرف على وجه الدقة مدى اختلاف الصيغة الأمنية الجديدة لهذه الرؤية عن صيغة الرؤية التقليدية. لكن يبدو أن دول المجلس أصبحت مقتنعة بأن الرؤية التقليدية قد أدت غرضها، ولم تعد صالحة بحكم التطورات، والتغيرات الإقليمية والدولية التي حدثت، منذ الغزو العراقي للكويت، والاحتلال الأميركي للعراق. أبرز وأخطر النتائج التي ترتبت على ذلك: انهيار معادلة الأمن الإقليمي، وبالتالي اختلال توازن القوة في المنطقة بشكل حاد لصالح إيران، ثم بروز الدور الإيراني، مشفوعاً بطموحات نووية إيرانية. من هنا أصبحت معادلة توازن القوة في المنطقة، بسبب انهيار العراق تحت الاحتلال، محصورة بين إيران والولايات المتحدة. وفي هذه الحالة تجد دول مجلس التعاون نفسها تحت رحمة طرفي هذه المعادلة. والأرجح أن هذا هو العامل الأساسي الذي دفع بهذه الدول لمراجعة استراتيجيتها الأمنية التقليدية. إذا كانت الرؤية الخليجية الجديدة ليست واضحة، هناك رؤية أميركية أيضاً جديدة، لكنها معلنة وأكثر وضوحاً، وتتناقض مع الرؤية الخليجية. يقدم هذه الرؤية سياسي أميركي سابق، لكنه ناشط سياسياً وفكرياً. أعني بذلك مارتن إنديك، وهو مساعد وزير خارجية سابق، وسفير أميركي سابق لدى إسرائيل، وحالياً رئيس مركز "سابان" في معهد "بروكنجز" في واشنطن دي سي. قدم إنديك رؤيته الأميركية للأمن الإقليمي لمنطقة الخليج في مقالة مطولة منشورة في كتاب "المصالح الدولية في منطقة الخليج"، والصادر في طبعته الأولى عام 2006 عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. يبدأ إنديك مقالته بالتأكيد على أن الاستراتيجية الأميركية في الخليج ترتكز على ضمان تدفق النفط من حقول هذه المنطقة إلى أسواق العالم من دون أية معوقات، وبأسعار معقولة. يتطلب تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي بيئة أمنية إقليمية مواتية تضمن أمن واستقلال الدول المنتجة للنفط في المنطقة، وخاصة السعودية باعتبارها المنتج المرجح. وتمشياً مع ذلك عدم السماح بهيمنة أية دولة من دول المنطقة على الدول الأخرى. حسب هذه الرؤية الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة حالياً في المنطقة، ويجب أن تبقى كذلك. يعود هذا، حسب إنديك، إلى أن الولايات المتحدة هي "القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم"، وبالتالي تتولى المسؤولية الرئيسية لـ"حماية المصالح الغربية في منطقة الخليج منذ خمسينيات القرن العشرين". ولأن الدول الخليجية صغيرة وضعيفة عسكرياً (يتحدث هنا بمعزل عن السعودية) فإنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها أمام العراق وإيران. الأمر الذي فرض إيجاد توازنات في المنطقة، واحتواء تهديدات الكبار للصغار. قبل سقوط شاه إيران اعتمدت الولايات المتحدة على نظرية التوازنات الإقليمية: إيران في مواجهة العراق، والقوة الأميركية في الأفق تضمن أمن الدول الخليجية. بعد سقوط الشاه انهارت نظرية التوازنات، وحلت محلها نظرية الاحتواء المزدوج لإيران والعراق. جاءت الحرب العراقية- الإيرانية لتنهك الاثنين وتفرض توازناً بينهما، وتسهل عملية احتوائهما معاً. لكن الغزو العراقي للكويت قلب المشهد، وكشف فشل نظرية الاحتواء. عندها تهيأت الفرصة لنقل الوجود العسكري الأميركي من نقطة الأفق إلى مياه وأرض الخليج. وعندها أيضاً، وحسب إنديك، اتخذت واشنطن قرارها بتغيير النظام في بغداد. كما أشير، بعد انهيار العراق وخروجه من التوازنات أضحت المعادلة الأمنية محصورة بين واشنطن وطهران. تتخوف واشنطن الآن من تحديين اثنين: الطموح النووي الإيراني، وانتشار عدوى عدم الاستقرار من العراق إلى بقية دول الخليج. لمواجهة ذلك تبنت الولايات المتحدة سياسة تشجيع الإصلاحات في دول المنطقة لتفادي ما يسمى بـ"معضلة الشاه". لكن بعد إنهيار نظريتي الاحتواء والتوازنات لا تملك واشنطن حالياً استراتيجية أمنية واضحة للمنطقة. يقترح إنديك استراتيجية جديدة تنطلق من الاتفاقيات الدفاعية الثنائية بين واشنطن ودول الخليج العربية لتشكيل حلف دفاعي على نمط حلف "الناتو". إذا اقتضى الأمر يمكن أن يتضمن هذا الحلف مظلة نووية (أميركية) لمواجهة احتمال تملك إيران قدرات نووية. ومن الممكن أيضاً أن تدخل العراق في هذا الحلف. ولتفادي استعادة فكرة "حلف بغداد" ومقارنته بالحلف الجديد، يمكن وضع الحلف في إطار أمني إقليمي موسع يشمل كل دول المنطقة، بما يشبه "إقامة منتدى إقليمي على نمط نظام هلسنكي". ينطلق مقترح إنديك من فرضية مضمرة، وهي أن الهيمنة الأميركية، وبقاء دول الخليج ضعيفة عسكرياً وأمنياً، هو السبيل الوحيد لحماية المصالح الأميركية. لذلك فهو مقترح متناقض من الداخل. يعترف إنديك بأن الضعف العسكري لدول الخليج هو السبب الرئيس لعدم الاستقرار في المنطقة. ما هو الحل؟ إضعاف الدول الكبيرة في المنطقة من خلال الاعتماد على الدول الصغيرة، والإبقاء على القوة الأميركية مهيمنة على الجميع. هذا يبقي على اختلال التوازن في المنطقة، وبالتالي يبقي على مصدر عدم استقرارها. فضلاً عن أنه مقترح يتناقض مع ما يبدو أنه رؤية محلية في طور التبلور ترى تخفيف الاعتماد على الدول الكبرى.