قبل أسبوعين، نشر "جيم ياردلي" من "نيويورك تايمز" تقريراً أعده من الصين، جاء فيه أن أضخم وآخر أنثى سلحفاة من نهر "يانجتسي" من ذوات الصَدَفة الطرية التي عرفها العالم، لا تزال تعيش في إحدى حدائق الحيوانات الصينية، بينما يعيش آخر ذكر من الفصيلة نفسها، في حديقة أخرى. ويمثل هذا الزوجان آخر أمل للبشرية في إنقاذ آخر فصيلة من فصائل سلحفاة المياه العذبة هذه. والذي شدني إلى تلك القصة المؤثرة لدى قراءتي لها، أن جيلنا الحالي قد دخل مرحلة لم يمر بها أي جيل سابق له، ألا وهي مرحلة عصر نوح. فبسبب تعرض المزيد من أنواع الكائنات الحية النادرة للانقراض، جراء موجات الفيضانات التي ضربت العالم وهزت اقتصاداته ومجتمعاته في مختلف البلدان، فربما كان جيلنا هو الأول من نوعه في التاريخ، الذي تعين عليه حرفياً أن يكرر ما فعله النبي نوح، أي أن ينقذ آخر زوجين تبقيا من مجموعة واسعة من أنواع الكائنات الحية من خطر الانقراض. وكما جاء في سِفر التكوين في معنى النص الإنجيلي من ذلك الأمر الرباني: "واحمل إلى فلكك زوجين من كل نوع، ذكراً وأنثى، كي يعيشا آمنين فيه". غير أن الاختلاف الرئيسي بيننا والنبي نوح، أننا نحن من نصنع الطوفان بإزالتنا للمزيد من الغابات والأنهار والأراضي الخصبة والموارد السمكية، من أجل توسيع مشروعات التنمية. وكما قال "سيجمار جابريل"، وزير البيئة الألماني مؤخراً لهيئة الإذاعة البريطانية:"فإن خسارة العالم من شتى أشكال التنوع البيولوجي، تزداد بوتائر غير مسبوقة. ويكاد لا يمر يوم واحد إلا ويتعرض فيه ما يصل إلى 150 نوعاً إلى خطر الانقراض عالمياً. وبالنتيجة يزداد ضعف شبكة الحياة الداعمة لمجتمعنا البشري أكثر من أي وقت مضى". ولكل هذه الأسباب، فقد أصاب العالم في تكريس جهوده لمواجهة خطر التغير المناخي. لكن وما لم تكن لنا استراتيجية واضحة لخفض معدل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، وللحفاظ على ثراء التنوع البيولوجي، فسوف ينتهي بنا الأمر إلى وضع سيئ للغاية. والخوف أن نكون قد قطعنا شوطاً بعيداً بالفعل صوب هذه النهاية المأساوية، بما نرى من تهور أعمى وعواقبه غير مدروسة على المدى البعيد، نحو التوسع في إنتاج غاز الإيثانول المستخلص من الذرة الشامية، وكذلك السعي الحثيث نحو إنتاج زيت النخيل وما يسمى بالبيوديزل، ذلك أن تأثيرات هذه المشاريع على الطبيعة والنظم البيئية المحيطة بنا، لم تحظ بعد بالدراسة اللازمة لها. وعلى حد قول جلين بريكيت، نائب الرئيس الأول لمنظمة "Conservation International:"فإذا لم نخطط من الآن وكما ينبغي، فسوف ينتهي بنا الأمر إلى خلق مناخ صحي معافى، في كوكب ميت". وقد التقيت بأحد أفراد جيلنا –جيل نوح- هنا في إندونيسيا، هو الدكتور جاتنا سوبريانتا، وهو عالم بيولوجي مختص بحماية الكائنات الحية، ويتولى إدارة البرامج الإندونيسية التابعة لمنظمة حماية البيئة المذكورة أعلاه. ويخصص أحد أهم وأكبر مشروعاته للمحافظة على فصيلة قرود الجيبون النادرة، المعرضة للانقراض. وتعرف هذه الفصيلة بأنها إحدى الفصائل الاستيطانية الفريدة التي تنعم بها جزيرة "جاوا". لكن وبسبب تزايد أنشطة إزالة الغابات في الجزيرة، فقد لحق دمار هائل بالبيئة الطبيعية لقرود "الجيبون"، حتى انخفض إجمالي عددها إلى ما يقدر بنحو 400 قرد فحسب، تتوزع جغرافياً على 20 غابة من الغابات المدارية الواقعة غربي جزيرة جاوا. ويتولى الدكتور "سوبريانتا" إدارة مركز إعادة تأهيل المستوطنات الطبيعية لهذه القرود. وقد بدأ هذا النشاط بالفعل، بتشييد عدد كبير من الأقفاص في متنزه جبال "جونونج جيدي بانجارانجو" القريبة من العاصمة جاكارتا". والفكرة من المركز أن يعود ذكور وإناث الجيبون –المعروفون بندرة معاشرتهما- للتقارب والتعرف إلى بعضهما بعضا مجدداً، وهي عملية تستغرق عدة أشهر. ولكن المشكلة أنها بطيئة للغاية بسبب سلوك القردة نفسها، في مقابل تزايد خطر الانقراض الذي يهددها. وهذا ما يثير المخاوف من أن يتبقى لنا قريباً، آخر زوجين منها فحسب.. ويا لها من خسارة. والوسيلة الوحيدة لتفادي حدوث خسارة كبيرة للكائنات الحية في إندونيسيا، مع العلم أنها تعد مرتعاً لأحد أثرى أشكال التنوع الحيوي عالمياً، حيث تزخر بأنواع شتى من النباتات والحيوانات والكائنات البحرية، هي العودة إلى حكمة حياة القرية، كما يقول الدكتور "سوبريانتا". وهذا هو ما يدعوه لأن يكرس القسط الأعظم من جهوده، لإنشاء المشروعات الاستثمارية ذات المصلحة في المحافظة على الغابات المدارية، كالاستثمار في مجال الطاقة الجيوحرارية على سبيل المثال، لأن المستثمرين في هذا النوع من الطاقة، لهم مصلحة في المحافظة على الأشجار، التي تمدهم بالحاجز المائي، الذي لا غنى لهم عنه، من أجل توليد الطاقة التي يحتاجونها. كما يقيم الدكتور "سوبريانتا" المشروعات المشتركة مع الحكومات المحلية، ذات المصلحة في مكافحة الإزالة غير المشروعة للغابات، فضلاً عن التعاون مع سكان القرى المحليين، لما لهم من مصلحة في المحافظة على الغابات التي تحد من خطر انجراف التربة، فضلاً عن توفيرها للمياه العذبة التي يحتاجونها في حياتهم اليومية. ولذلك فإن من واجب الناشطين البيئيين، العمل المستمر ضد فساد المسؤولين، الذين يبيعون ذممهم وضمائرهم لقاء ما يدفعه لهم تجار الغابات والأخشاب غير الشرعيين، وكذلك العمل ضد بعض القرويين الذين لا يدركون مدى أهمية الأشجار والغابات في دعم حياتهم اليومية. ولذلك فقد أنشأ الدكتور "سوبريانتا" أحد آخر مشروعاته، بحيث يعمل على ضخ المياه العذبة من أحد المستودعات المائية الغابية إلى قرية مجاورة، حتى يدرك القرويون سر العلاقة الوثيقة بين الغابة والمياه العذبة. وللسبب نفسه، امتد نشاط الدكتور الهادف إلى توعية المواطنين بأهمية المحافظة على الغابات، إلى أئمة المساجد والمدارس في شتى أنحاء إندونيسيا. توماس فريدمان كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"