اليوم ترتفع الجامعات الحكومية والخاصة في جميع الأقطار العربية، وفي كثير من المدن خارج العواصم، ويبدو الأمر عادياً مألوفاً عند الإعلان عن افتتاح جامعة جديدة. منذ قرن من الزمان، وفي عام 1907 لم يكن الأمر كذلك، فلم تكن هناك جامعة واحدة قائمة من المحيط إلى الخليج لتقدم للمجتمع العلوم والمعارف الحديثة التي هي أساس الحضارة المعاصرة. في مصر كان الكفاح الوطني ضد هيمنة الاستعمار البريطاني على مقدرات الحياة على أشده، وكانت المطالبة بالاستقلال الوطني في قلب قضايا هذا الكفاح. مع ذلك فإن وعي قادة حركة التحرر الوطني، قد أفرز مطالبة حازمة بضرورة إنشاء جامعة لتطوير الحياة العقلية والفكرية والنهوض بحياة المجتمع بعيداً عن التعليم الديني الذي كان صاحب المكانة العليا في البلاد. في عام 1900 صدر عدد من مجلة "الهلال" كُرّس للمطالبة بإنشاء جامعة عصرية وبذل الكتاب فيه جهوداً فكرية ليوصلوا للمجتمع المصري أهمية اللحاق بركب التعليم الجامعي العصري كأحد وسائل النهضة واستحقاق الاستقلال السياسي، ظهر من ردود الفعل أن سلطات الاحتلال البريطاني غير متحمسة للفكرة، غير أن وهج الفكرة بدأ ينتشر بين الطبقة المتعلمة في المجتمع، وخاصة بين المبعوثين المصريين الذين كانوا يتلقون تعليمهم الجامعي في جامعات أوروبا. في عام 1904 أعطى الزعيم مصطفى كامل دفعة جديدة للفكرة من خلال حملة صحفية أطلقها في جريدة "اللواء" راح يطالب فيها بالتحرك التنفيذي لوضع مشروع إنشاء جامعة لتكون مركزاً لتخريج العلماء في فروع العلوم التطبيقية والأساتذة في فروع العلوم الاجتماعية والإنسانية، ورفع في حملته شعار أن الجامعة لا يجب أن تكتفي بتخريج الموظفين، بل يجب أن تكون مهمتها الأولى إنتاج العقول القادرة على إنتاج العلم والتبحر في بحثه، خلال عامين تجمعت جهود الزعامة الوطنية والمثقفين، مما أثمر عقد أول اجتماع للجنة التحضيرية في بيت الزعيم سعد زغلول عام 1906، في هذا الاجتماع تأسست اللجنة وأعلن المجتمعون عن فتح باب حملة التبرعات لجمع الأموال اللازمة لإنشاء أول جامعة مصرية وعربية. وفي نفس الاجتماع أعلن محمد فريد وسعد زغلول وقاسم أمين وحفني ناصف وعبدالعزيز فهمي وجميعهم من قادة الحركة الوطنية والرأي عن تبرعاتهم المالية السخية للمشروع، مما شكل نقطة انطلاق أثارت "حماس" قطاعات واسعة من الرأي العام للتبرع. وفي 21 ديسمبر 1908 قام حاكم مصر الخديوي عباس حلمي الثاني والأمراء والوزراء بإعلان الافتتاح الرسمي للجامعة في قاعة مجلس شورى القوانين وفي مساء نفس اليوم بدأت الدراسة الفعلية في الجامعة. لقد قررت جامعة القاهرة أن يكون احتفالها بالذكرى المئوية لإنشائها احتفالاً ممتداً لمدة عام كامل يبدأ في شهر ديسمبر الحالي من عام 2007 وينتهي في شهر ديسمبر عام 2008، ورغم إنني لست من خريجي هذه الجامعة، فإنني أعتقد أن المناسبة ودلالتها المهمة في التاريخ العلمي والثقافي العربي تستحق أن نتوقف عندها وان نذكر جميع خريجي هذه الجامعة الأولى في أمتنا بها وهم منتشرون في جميع أقطار العرب وموزعون على أجيال متعددة وتخصصات علمية متنوعة، وأن نهنئهم ونطالبهم بالمشاركة في احتفال المئوية من خلال نشر ذكرياتهم عن فترات الدراسة وعن أساتذتهم والأجواء العامة التي عايشوها، إن مثل هذا الإسهام سيحافظ على الوشائج والعلاقات بين الأجيال القديمة والحالية ويقدم نموذجاً حياً لذاكرة الأمة التي يحفظها هؤلاء الخريجون. معظم قادة الرأي والفكر والإدارة والعلوم من جيل الخمسينيات والستينيات في الدول العربية جاءوا من خريجي جامعة القاهرة ومن هنا، فإن ذاكرة هؤلاء القادة ستقدم حصيلة مهمة من التجارب الفكرية والتنموية الرابطة بين بوتقة صهر العقول العربية الأولى وبين طبيعة هذه التجارب في كثير من الدول العربية. هذه المئوية فرصة لجيل قادة التعليم والفكر والعلم في وطننا العربي الواسع لتقديم رؤاهم، ليس فقط حول التاريخ بل أيضاً حول المستقبل العلمي والتعليمي في جامعاتنا الجديدة والوليدة لنرى أين نريد الوصول خلال القرن الجديد.