التوجّه نحو ما يعرف بالزراعة العضوية في إمارة أبوظبي، هو بالفعل توجّه استراتيجي مهمّ، خصوصاً إذا نظرنا إلى المردود عظيم الفائدة للزراعة العضوية مستقبلاً؛ حيث يشير الخبراء إلى أن أساليب الزراعة العضوية تصبّ إجمالاً في مصلحة الحياة البرية وتحافظ على التوازن الطبيعي والبيئي للحياة كونها تلعب دوراً حيوياً في الحفاظ على أنواع الطيور والكائنات الحية، فضلاً عن أنها تحافظ على نقاء مخزون المياه الجوفية من التلوث الكيماوي الذي يتسرّب إلى الأرض جرّاء شيوع استخدام المواد الكيماوية التي تستخدم كأسمدة ومخصبات أو كمبيدات للمكافحة في الزراعة غير العضوية، وبالتالي فهي، من هذه الزاوية أيضاً، تحمي صحة الأجيال الحالية والمقبلة. الزراعة العضوية هي نظام حيوي وبيولوجي للإنتاج الزراعي لا تستخدم فيه المركبات المصنّعة مثل المبيدات الحشرية والأسمدة الكيميائية والهرمونات والمواد الحافظة، وواحدة من أبرز إيجابيات هذا النظام أنه يحافظ على صحة الإنسان من الاستخدام المفرط للمبيدات الزراعية في الكثير من الدول المصدّرة للخضروات والفواكه، وبالتالي فهي تبدو عظيمة الفائدة بالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تستورد غالبية استهلاكها من المواد الزراعية من الخارج. وفي ظل صعوبة السيطرة على استخدام المبيدات والكيماويات الزراعية بنسب تفوق النسب المسموح بها عالمياً، وفي ظل صعوبة التحقق أيضاً من مدى انتشار المبيدات الزراعية المحظورة دولياً في العديد من دول العالم، بات التوجّه إلى الزراعة العضوية خياراً استراتيجياً للكثير من الدول التي تسعى إلى الحفاظ على الصحة العامة، حيث تشير الإحصاءات والبيانات إلى تنامي انتشار الزراعة العضوية في الكثير من دول العالم، فمنذ عام 2002 حتى عام 2006، زادت مساحة الأراضي المزروعة عضوياً في قارتي أفريقيا وآسيا بمعدل نحو ستة أضعاف تقريباً، فيما زادت هذه المساحة في دول أميركا الجنوبية وأوروبا بمعدل يتراوح بين واحد إلى واحد ونصف ضعف المساحة، مما يشير إلى جدية التوجّه العالمي نحو هذا النوع من الزراعات، ولاسيما في ظل التناقص النسبي والمتوقع في المعروض العالمي من المنتجات الزراعية والغذائية، مما يغري مزارعي الدول المصدّرة للمنتجات الزراعية بمخالفة القوانين واللجوء إلى استخدام المبيدات والكيماويات المحظورة دولياً أو استخدام المسموح باستخدامه منها بإفراط يفتئت على صحة مستهلكي هذه المنتجات سواء في الأسواق المحلية لتلك الدول أو في الأسواق المستوردة لمنتجاتها. وإذا أخذنا في الاعتبار التوجّه المتنامي بشأن استخدام بعض المحاصيل الزراعية في إنتاج مصادر الطاقة، مما أسهم بدوره في ارتفاع أسعار بعض المحاصيل الزراعية عالمياً مثلما حدث مع محصول الذرة الذي بات يُستخدم جزء منه في إنتاج "الإيثانول"، لأدركنا ما يمكن أن يحمله المستقبل من توجّه ربما تصعب السيطرة عليه لزيادة استخدام الهرمونات والكيماويات والهندسة الوراثية في الإنتاج الزراعي. أهم ما في توجّه إمارة أبوظبي نحو الاعتماد على أساليب الزراعة العضوية تدريجياً في أراضيها أنه يحظى بدعم من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة "حفظه الله"، وبدعم ورعاية من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة. التوجّه نحو الزراعة العضوية في دولة الإمارات بشكل عام وإمارة أبوظبي بشكل خاص، هو تحدٍّ تنموي جديد، وإذا كانت هذه الأرض الطيبة قد شهدت طوال السنوات الماضية الكثير من الإنجازات، فإن الدعم الرسمي رفيع المستوى في هذا الشأن يبشر بأن السنوات القليلة المقبلة ستشهد تغيّرات نوعية هائلة باتجاه الزراعة العضوية كإنجاز نوعي جديد يضاف لما تحقق لمصلحة العلاقة بين الإنسان والبيئة على هذه الأرض.