كما كان متوقعاً، لم يعالج مؤتمر أنابوليس للسلام الموضوعات الجوهرية للصراع العربي- الإسرائيلي. فقبل ذهابهم لذلك المؤتمر كان الإسرائيليون والفلسطينيون يتوقعون أشياء مختلفة من أنابوليس، بيد أن الرؤية الإسرائيلية، وليس في هذا ما يبعث على الدهشة، كانت هي التي انتصرت في النهاية. وقد أدلى كبير المفاوضين الفلسطينيين بتصريح قال فيه:"إن الشيء الذي نحتاج إليه كي نجعل من اجتماع أنابوليس اجتماعاً ناجحاً، هو إنجاز المرحلة الأولى من خريطة الطريق". كما أدلى مسؤول إسرائيلي مقرب من رئيس الوزراء إيهود أولمرت بتصريح آخر قال فيه:" نظراً لأننا غير قادرين على الاتفاق على جوهر الورقة المشتركة، فإننا نفضل أن نقول إننا قد بدأنا المفاوضات تواً". وقد جاء في البيان الصادر عقب مؤتمر أنابوليس أن الإسرائيليين والفلسطينيين قد توصلوا إلى" تفاهم مشترك"، على التفاوض حتى يتم الوصول إلى تسوية نهائية للصراع من جميع جوانبه قبل نهاية 2008. وهذا البيان أسعد الإسرائيليين، الذين كانوا مصممين على تجنب أي مفاوضات جوهرية، أو تقديم أي التزامات في أنابوليس، ولكنهم اضطروا على مضض إلى تقديم الدعوة لإجراء مفاوضات مباشرة كتنازل من جانبهم أمام المطالب الفلسطينية. ولكن نظراً لأن اللغة المستخدمة في تلك الدعوة كانت غامضة، وأن الالتزام بالتفاوض قد تم التعبير عنه في إطار"التفاهم المشترك"، فإن تلك الدعوة في الحقيقة" لا تلزم الإسرائيليين بشيء". وإذا ما كانت اللغة الأكثر وضوحاً وقوة التي اتسمت بها بيانات المؤتمرات السابقة، والاتفاقيات التي ترتبت على مؤتمر مدريد 1991 واتفاقيات أوسلو 1993 وما تلاها من اتفاقيات في القاهرة وشرم الشيخ، وصولاً إلى خريطة الطريق لم تكن ملزمة بما يكفي للإسرائيليين فإن السؤال هنا هو: ما الذي سيجعل مجرد وثيقة "تفاهم مشترك" أكثر فعالية مما سبقها؟ وهذا السؤال في محله، خصوصاً إذا ما أخذنا في اعتبارنا تاريخ إسرائيل في عدم الاهتمام بالاتفاقيات السابقة، وانحياز واشنطن التقليدي للمواقف الإسرائيلية. لقد ذهبت إدارة بوش في انحيازها ودعمها لإسرائيل إلى مدى أبعد مما ذهبت إليه أي إدارة أميركية سابقة. ومن المعروف أن بوش كان قد انقلب على سياسة كلينتون الخاصة بالتفاوض مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وقبِل بدلاً من ذلك بالحجة الإسرائيلية القائلة بأن عرفات لا يصلح كشريك للسلام، ورفض الاجتماع معه. وحتى عندما حاصرت الدبابات والقوات الإسرائيلية مجمع المقاطعة في رام الله حيث كان يقيم ياسر عرفات في ربيع 2002 وقدم وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول اقتراحاً بعقد مؤتمر للسلام، فإن هذا الاقتراح رفض بواسطة البيت الأبيض، وهو الرفض الذي كان بمثابة أعطاء ضوء أخضر للإسرائيليين للمضي قدماً في سياسة إذلال عرفات، وإدامة الصراع. أما الانتهاك الإسرائيلي للحظر على بناء المستوطنات بموجب "خريطة الطريق"، فلم يقابل سوى بالتوبيخ الشكلي التقليدي لإسرائيل. والذي حدث في الحقيقة، وفي انقلاب دراماتيكي على الموقف الأميركي التقليدي بصدد النشاط الاستيطاني، وفي مخالفة واضحة للقانون الدولي، قبل بوش الطلب الذي تقدم به إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون بخصوص مصادقة واشنطن على خطته الخاصة بالتوسع في المستوطنات. وبوش عندما فعل ذلك فإنه، كان كمن يقوم بالحكم مسبقاً على المحصلة النهائية للمفاوضات، كما يضع جانباً كلا من "خريطة الطريق"، ومبادئ القانون الدولي، باعتبارهما المرجعيتين الصحيحتين لتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي. ولم يفت بوش أن يكرر في مؤتمر أنابوليس أمام الوفود العربية -التي استمعت صامتة لما يقوله- دعمه للموقف الإسرائيلي حيث دعا إسرائيل إلى إخلاء البؤر الاستيطانية غير المشروعة، متجاهلاً بذلك أن جميع مستوطنات الضفة- وليس البؤر الاستيطانية فقط- هي مستوطنات غير مشروعة. وقد أوضح وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل بجلاء الموقف العربي بشأن موضوع جوهري هو موضوع حق العودة للاجئين الفلسطينيين عندما قال:"إن ما أقصده هو أننا أمام وضع نرى فيه أناسا من خارج إسرائيل يأتون للعيش في الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل، والتي كان يعيش فيها شعب من قبل... والآن فإن ما يحدث هو أن إسرائيل تريد إعادة النظر في وجود هؤلاء السكان الذين هم الملاك الأصليون لهذه الأرض كي تكون الدولة في النهاية دولة لليهود فقط... لماذا؟ إنك عندما تأتي إلى منطقة لتعيش فيها، فإنك يجب أن تقبل بالعيش مع أهل المنطقة". من المؤكد أن الأمير سعود الفيصل يعرف بالفعل أن بوش قد ساند إسرائيل في موقفها الرافض لقبول عودة اللاجئين الفلسطينيين. ففي الخطاب الذي وجه لآرييل شارون في إبريل 2004، كتب بوش يقول:"يبدو من الواضح أن أي إطار منصف وواقعي لحل مسألة اللاجئين الفلسطينيين- كجزء من أي اتفاقية نهائية –يجب أن يتم من خلال إنشاء دولة فلسطينية يعود إليها اللاجئون الفلسطينيون ويستقرون فيها، وليس في إسرائيل". وعلى ما يبدو أن الإسرائيليين، لم يقتنعوا بهذا الدعم الضخم من واشنطن، بدليل أنهم أوضحوا بجلاء في أنابوليس أن المفاوضات ستكون ثنائية، أي أنها لن تكون خاضعة للإجماع الدولي، وشرعية مشاركة الأمم المتحدة، ولكنها ستتم في إطار للعلاقة غير المتكافئة إلى حد هائل بين المحتلين وبين من احتلت أراضيهم. والآن وبعد أن تم وضع قواعد القانون الدولي جانباً، وتم الحكم مسبقاً على محصلة المفاوضات بشأن القضايا الجوهرية بإخضاع تلك المفاوضات للعلاقة الثنائية غير المتكافئة بين القوتين، فإنه يمكن لنا القول إن ما فعله مؤتمر أنابوليس هو أنه أكد على هذه الحقائق التي كانت معروفة. لذلك ليس هناك ما يدعو للدهشة عندما نعرف أن مسؤولاً إسرائيلياً أدلى عقب مؤتمر أنابوليس بتصريح حمل نبرة انتصار واضحة وصف فيه المؤتمر بأنه "أم جميع العمليات التصويرية". عادل الصفتي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مؤسس كرسي اليونسكو للقيادة، ورئيس منتدى القيادة العالمي