بعد الهدوء النسبي لموجة الغضب والاستياء المبرّرة التي ترافقت مع الكشف عن تورّط أحد أعضاء "جمعية حقوق الإنسان" بالدولة في تزويد جهات خارجية بتقارير مسيئة عن أوضاع العمالة الوافدة في الإمارات، فإن الأمر يستحق وقفة لعزل الأخطاء الفردية عن مظلّة العمل التطوّعي، كي لا تضرّ الجهود التطوعية في مجملها أو تتأثر صورتها النمطية سلباً جرّاء أخطاء اقترفها واحد أو مجموعة من المنخرطين تحت هذه المظلة. استغلال مظلة العمل التطوعي العام لمصالح ذاتية ربما لا يمثّل التشوّه الوحيد في هذا الملف، بل إن هناك عقبات أخرى كثيرة تحدّ من انطلاقة جمعيات النفع العام وتأثيرها المفترض في المجتمع، وفي مقدّمة هذه العقبات محدودية الدور الذي تضطلع به معظم جمعيات النفع العام القائمة حالياً، وأيضاً أخطاء التطبيق في مفهوم العمل العام بين الفينة والأخرى، ما يقدّم للمجتمع عوامل لا تغري الكثيرين بالانخراط تحت لواء هذه الجمعيات. إحدى المشكلات الرئيسية تكمن في التطبيق وآليات العمل، ولعلّ الأزمة الراهنة في "جمعية حقوق الإنسان" هي خير مثال على صحّة هذه الفرضية، إذ إن هناك اختطافاً لدور الجمعية وتوظيفاً لهذا الدور لمصلحة فرد أو مجموعة أفراد؛ وبالمناسبة فإن هذا النموذج في الصراع الداخلي قد سبق حدوثه في بعض جمعيات النفع العام الأخرى التي لا يتناقل الإعلام أخبارها سوى من خلال الصراعات داخل مجالس الإدارات وحلّ الجمعيات العمومية وغير ذلك من إشكاليات إدارية تطغى على أداء الكثير من جمعيات النفع العام التي تنحصر نظرة بعضهم إليها في الوجاهة الاجتماعية أو استغلالها لمصلحة تحقيق أهداف ذاتية معيّنة. إن هناك حاجة ملحّة أيضاً لإعادة هيكلة "جمعية حقوق الإنسان" داخلياً، وتأطير دورها وإعادة تعريفه وظيفياً كي لا يتمادى بعضهم في الاحتماء بمظلتها لتمرير أجندات معيّنة بطرق وأساليب أخرى، وكي لا يكون مفهوم حقوق الإنسان من حيث التطبيق والممارسة هو الضحية أو يتحوّل إلى مادة دسمة للتراشق والحروب الكلامية والاتهامات المتبادلة، وكي لا تطلّ علينا وسط هذه الأجواء المفتعلة شظايا كلامية تنال من صورة مجتمع الإمارات الذي لا يجادل أحد في أن التسامح وقبول الآخر، رأياً ووجوداً وفكراً، قاعدة محورية وسمة أساسية للمكوّن الثقافي والحضاري لديه. لا ينبغي إذاً أن تكون "جمعية حقوق الإنسان" أو غيرها نموذجاً سلبياً لتطبيق فكرة العمل التطوّعي بما يقوّض أي محاولة لتكريس المفهوم وتنميته بين أفراد المجتمع في وقت نحتاج فيه إلى تطوير هذا الدور وتفعيله بما يتناسب مع وجود نحو 120 جمعية نفع عام تعمل داخل الدولة حالياً، وهو رقم ربما يصيب الكثيرين بالدهشة لأن ما يلمسه المجتمع من وجود لجمعيات نشطة لا يتجاوز 10% تقريباً من العدد الإجمالي. المأمول الآن هو تصحيح المسار في جمعيات النفع العام وتصويب أي أخطاء في التطبيق عبر الأطر القانونية الحاكمة لأنشطة هذه الجمعيات ودورها المجتمعي، بحيث تواكب المتغيّرات والطفرة التنموية الحاصلة في المجتمع، فهذه الجمعيات ليست أندية اجتماعية لقتل أوقات الفراغ وليست مجرّد لافتات ومقار لكسب وجاهة أو شهرة إعلامية، بل يفترض أن يشهد دورها تنامياً يتناسب مع التطوّر المتسارع في وتيرة التنمية بالدولة، ولذا فإن معالجة مشكلاتها واستعادة عافيتها وتصويب مسارها وتفعيل دورها عبر القانون الجديد المزمع صدوره خلال المرحلة القريبة المقبلة، كلها مسائل حيوية باعتبار أن نشاط هذه الجمعيات ركيزة مهمّة يمكن أن تتكئ عليها مرحلة التمكين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.