أعلنت وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" الأسبوع الماضي، أن الروبوت المتجول الذي كانت قد وضعته على سطح كوكب المريخ قبل بضعة أعوام، قد نجح في تحقيق أهم اكتشافاته على الإطلاق. فمن خلال حركة الروبوت على سطح الكوكب الأحمر، تسببت إحدى عجلاته في تحريك التربة، لتنكشف دلائل على وجود بيئة ملائمة لازدهار الحياة، تكونت من خلال اختلاط مياه الينابيع الحارة مع الصخور البركانية. ومن المعروف أن مثل هذه البيئات على سطح الأرض، تعج وتفيض بأشكال الحياة الدقيقة، وهو ما أثار أحلام العلماء في أن تكون البيئة التي اكتشفت على سطح المريخ هذا الأسبوع مليئة هي الأخرى بأشكال الحياة المختلفة. وليست هذه هي المرة الأولى التي تثار التوقعات بوجود حياة على كوكب المريخ. فقبل أعوام قليلة، ادعى بعض العلماء وجود ميكروبات متحجّرة على سطح أحد النيازك المريخية التي سقطت على سطح الأرض. وعلى رغم أن علماء آخرين دحضوا تلك الادعاءات، إلا أن الموضوع لا يزال حتى هذه اللحظة محل جدل واسع في الأوساط العلمية. وبغض النظر عن أي الرأيين هو الصحيح، لابد وأن يتساءل المرء عن تبعات اكتشاف أشكال حياة على الكواكب الأخرى؟ فبخلاف الشهب والنيازك التي تسقط تباعاً على سطح الأرض، والتي يمكن أن تحمل معها أشكال حياة خارجية (Extraterrestrial life)، يسعى العلماء حثيثاً للعثور على مثل هذه الأشكال، وربما جلبها إلى كوكبنا للدراسة والبحث. ولكن ما هي الآثار التي يمكن أن تنتج عن وصول أشكال الحياة الخارجية إلى سطح الأرض، وبالتحديد على احتمالات استمرار الحياة على كوكبنا كما نعرفها حالياً؟ مثل هذا الاحتمال ليس بعيداً كما يعتقد الكثيرون، بل كان دائماً مصدر قلق لعلماء ورواد الفضاء، منذ أن نجح الإنسان في السفر إلى الفضاء الخارجي. ففي عام 1969 حقق الإنسان حلماً قديماً، حينما حطت المركبة الفضائية (أبوللو 11) على سطح القمر، وبداخلها ثلاثة رواد فضاء أميركيون. وعند عودة هؤلاء الرواد من أول رحلة للجنس البشري إلى كوكب آخر، كانت مخاوف علماء "ناسا" تدور حول احتمال أن يكونوا قد حملوا معهم ميكروبات فضائية في رحلة عودتهم. ونتيجة هذه المخاوف، تم وضع رواد المركبة الفضائية (أبوللو 11) تحت المراقبة، في غرفة معقَّمة ومعزولة تماماً لأيام عديدة، للتأكد من عدم ظهور أية أعراض مرضية عليهم خلال تلك الفترة. ولذا، عندما قام الرئيس الأميركي الأسبق "ريتشارد نيكسون، بزيارة أول سفراء الجنس البشري إلى الكواكب الأخرى، تم اللقاء من خلال نافذة زجاجية محكمة. ولفهم تبعات وآثار احتمال وصول أشكال الحياة الخارجية على كوكبنا، لابد أن نسترجع المصطلح البيئي المعروف بغزو الأنواع أو الأجناس (Species Invasion). هذا المصطلح في مفهومه الشائع، يعني قيام نوع أو صنف من أصناف الحياة، سواء كان ميكروبات أو نباتات أو حيوانات، بغزو المحيط البيئي لأنواع وأصناف أخرى، مسبباً تأثيرات سلبية فادحة على صعيد استمرارية التوازن البيئي، وربما حتى مسبباً انقراض واندثار الأصناف والأنواع المحلية. ورغم أن قصص وأفلام الخيال العلمي تروج دائماً لاحتمال وجود كائنات ضخمة مفترسة وآكلة للإنسان على الكواكب الأخرى، وهي الفكرة التي ستظل دائماً ضرباً من ضروب الخيال، فإن الخطر الحقيقي على كوكبنا سيأتي من كائنات دقيقة وميكروبات مجهرية، لم يعرفها النظام البيئي على الأرض من قبل، حيث يحتمل أن تكون هذه الكائنات المجهرية شديدة العدوى والضراوة، ودون أن تكون للمخلوقات الأرضية أية وسيلة دفاع ضدها. وهناك أيضاً احتمال أن تتغذى الكائنات الخارجية بشراهة على المصادر البيئية المتاحة للكائنات الأرضية، بحيث تتركها لتتضور جوعاً أو تموت اختناقاً، أو أن تنتج الكائنات الخارجية -كجزء من فضلاتها- مواد سامة تقتل بشكل غير مباشر أشكال الحياة الأرضية. مثل هذا السيناريو ليس مستبعداً تماماً كما يعتقد الكثيرون، بل الحقيقة أنه حدث بالفعل بشكل مقارب في العصر الحديث. فمع بداية عصر الاكتشافات الجغرافية في نهاية القرن الخامس عشر، نقل الأوروبيون طائفة من الأمراض والميكروبات إلى سكان العالم الجديد (New World)، المكون من أميركا الشمالية والجنوبية وأستراليا. وبسبب عدم تعرض سكان تلك المناطق سابقاً لمثل هذه الميكروبات، لم يستطع جهاز المناعة لديهم مقاومتها، مما أدى إلى فناء معظم أفراد الشعوب التي كانت تقطن العالم الجديد تحت وطأة الميكروبات الجديدة التي جلبها لهم سكان العالم القديم. حيث تقدر بعض الدراسات أن ما بين 90 إلى 95 في المئة من السكان الأصليين في أميركا الشمالية والجنوبية، لقوا حتفهم بعد وصول البحارة الأوروبيين إلى شواطئهم، ليس بسبب الحرب والمعارك، بل ببساطة نتيجة الميكروبات الجديدة التي حملها معهم هؤلاء البحارة. وهو ما دفع البعض لتخيل سيناريو مماثل، يجلب فيه رواد الفضاء ميكروبات وكائنات مجهرية، بين ثنايا البدلات الفضائية أو أحذية من سنحت لهم فرصة المشي على سطح القمر أو المريخ. وتشير الدلائل الحالية إلى أن علماء "ناسا" يضعون مثل هذه الاحتمالات في اعتبارهم، ولذا يشترطون إخضاع رواد الفضاء بعد عودتهم للعديد من الإجراءات الوقائية، مثل الحجر الصحي لفترات طويلة. ولكن بسبب جهلنا الحالي بطبيعة المخلوقات الخارجية، ونوعية الأمراض التي يمكن أن تتسبب فيها، يحتمل أن تكون هذه الإجراءات عاجزة إلى حد كبير عن حمايتنا ضد سكان الفضاء الخارجي. د. أكمل عبد الحكيم