كان للرئيس الأميركي جورج بوش عكازان دوليان. توني بلير رئيس الحكومة البريطانية، وجون هوارد رئيس الحكومة الأسترالية. انهار الأول بشكل مروِّع معنوياً وسياسياً حتى إنه اضطر إلى التخلي عن رئاسة الحكومة بعد أن ضاق به ذرعاً حتى الحزب الذي يتزعمه، وهو حزب "العمال". وسقط الثاني في الانتخابات العامة، وسقط معه حزب "المحافظين" الذي حكم البلاد أكثر من عقد من الزمن. ويعود انهيار بلير وسقوط هوارد إلى سبب واحد. وهو تبعية كل منهما للرئيس جورج بوش في سياسته الخارجية. لعل الرئيس الأميركي هو أكثر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة بنى تحالفاته الخارجية على قاعدة العلاقات الشخصية. هكذا كان الأمر مع بلير وهوارد. حتى أصبح الأول يقوم عملياً بدور وزير خارجية الولايات المتحدة خلال حملة التحضير لاجتياح العراق، وأثناء الحملة، وبعد الاحتلال. أما الثاني فقد لعب دور الشرطي الأميركي في جنوب شرق آسيا، حتى ساءت علاقات أستراليا مع جيرانها: إندونيسيا وماليزيا، وحتى الفلبين. وبدلاً من أن تتبوأ أستراليا دور الرجل الحكيم في الشرق الأوسط، وبدلاً من أن تفيد من سوق المنطقة الواسع لتصدير منتجاتها المتنوعة، اختارت أن تلعب دوراً عسكرياً ثانوياً في الحرب على العراق. فخسرت بذلك سوقاً كبيرة هي بأمسّ الحاجة إليها، من دون أن تكسب بالمقابل سوى عبارات الإشادة التي كان يغدقها الرئيس بوش على رئيس حكومتها التابع له. لقد كان واضحاً أن أول عمل قام به رئيس الحكومة البريطانية الجديد جوردون براون، هو برمجة انسحاب قواته من العراق. علماً بأن بريطانيا كانت الشريك الأول للولايات المتحدة في اتخاذ قرار الحرب، وفي خوض الحرب، وفي احتلال العراق. وكان في حسابات براون العمل على إعادة ترميم الجسور بين بريطانيا والعالمين العربي والإسلامي. ولكن تعيين سلَفه توني بلير ممثلاً للجنة الرباعية الدولية المكلفة بملف الشرق الأوسط (والتي تتألف من الولايات المتحدة وروسيا والمجموعة الأوروبية والأمم المتحدة) حال دون ذلك. فقد ترك لبلير دور التواصل مع العالم العربي من البوابة الفلسطينية على النحو الذي بدا واضحاً في مؤتمر أنابوليس. ولكن تعطيل دور براون (والذي لا يعني بالضرورة نجاح دور بلير)، لن يكرر نفسه في أستراليا. فالرئيس الجديد مؤهل، بما يتمتع به من استقلالية عن الهيمنة الأميركية التي طغت على سلفه، لأن يعيد ترميم ما انقطع في العلاقات العربية (والإسلامية) الأسترالية. ومن الواضح أن أول عمل سيقوم به رئيس الحكومة الأسترالية العتيد كيفين رود، هو فك ارتباط بلاده باحتلال العراق. وكان هو نفسه قد أعلن خلال الحملة الانتخابية التي فاز بها حزبه بأكثرية كبيرة أنه سوف يبادر على الفور إلى سحب 550 عنصراً من القوات الأسترالية من العراق، بحيث لا يبقي سوى قوة صغيرة رمزية قوامها 300 عنصر فقط، سيتم سحبها في مرحلة ثانية خلال عام 2008. علماً بأن القوات الأسترالية كانت تقوم بدور أساسي، وكانت تتقدم حتى على القوات الأميركية في بعض العمليات العسكرية في غرب العراق. ويستعد الرئيس بوش الآن لتلقي ضربة معنوية من أستراليا الجديدة، تتمثل في إعلان الرئيس الأسترالي الجديد استعداده للتوقيع على معاهدة "كيوتو" الدولية حول الاحتباس الحراري، وبذلك تبقى إدارة الرئيس بوش الوحيدة في العالم التي ترفض التوقيع على هذه المعاهدة. على أن الضربة القاسية حقاً التي سيتلقاها الرئيس بوش تتمثل في موقف الرئيس الأسترالي من عملية بيع اليورانيوم. والمعروف أن أستراليا غنية جداً بهذا المعدن الثمين. وكان رئيس الوزراء الأسترالي السابق جون هوارد قد التزم ببيع اليورانيوم إلى الهند عملاً باتفاق أميركي- هندي لتزويد الهند بالتكنولوجيا النووية المتقدمة. غير أن الرئيس الجديد كيفين رود يرفض بيع اليورانيوم إلى أي دولة غير ملتزمة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والهند هي واحدة من هذه الدول. ويعني هذا الموقف الأسترالي الجديد سقوط إحدى أهم الركائز التي يقوم عليها الاتفاق الأميركي- الهندي. ويتكامل هذا الموقف الجديد لأستراليا من الهند، مع الموقف من الصين. ذلك أن رئيس الوزراء "رود" الذي كان سفيراً لبلاده في بكين ويجيد اللغة الصينية -الماندرين- تربطه علاقات شخصية ووثيقة بالمسؤولين الصينيين. وتشكل هذه العلاقات قاعدة لعلاقات أسترالية- صينية مباشرة، لا تمر عبر واشنطن كما كان الأمر في عهد سلفه هوارد!. إن كل هذه التحولات في السياسة الأسترالية تؤكد أن هزيمة هوارد في الانتخابات كانت هزيمة لتحالفه مع إدارة الرئيس بوش، وتالياً هزيمة لحليفه الرئيس الأميركي. ولو أن انتخابات عامة جرت في بريطانيا بقيادة الرئيس الأسبق توني بلير لأصيب حزب "العمال" بهزيمة مماثلة لتلك التي مني بها حزب "المحافظين" في أستراليا، ولترجمت تلك الهزيمة بتحولات سياسية جوهرية أيضاً. ولكن بلير الذي كان يدرك ذلك تسلّل من "10 داونينج ستريت" (مقر رئاسة الحكومة) لحفظ بقية ماء الوجه.. ولإنقاذ حزبه من هذا المصير المشؤوم. وآثر تسليم السلطة إلى الشخص الثاني في الحزب الرئيس الحالي جوردون براون. ومهما يكن من أمر، فإن الرئيس بوش بعد أن فقد عكازيه الدوليين، أصبحت سياسته الخارجية تترنح بانتظار أن تتلقى الضربة القاضية التي قد توجه إليه هذه المرة من الداخل الأميركي. فقد انفضّ عنه عدد من كبار مساعديه وتخلّوا عن مواقعهم في إدارته. وكان منهم وزراء، وأبرزهم وزير الخارجية كولن باول، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ومستشارون ولائحتهم طويلة كان آخرهم آلان هبارد مستشار بوش للشؤون الاقتصادية، وقبله كارل روف المستشار السياسي، ودان بارتليت مسؤول الاتصالات، وروب بورتمان مدير الموازنة، وفرنسيس تاونسند مستشارة الأمن القومي ومكافحة التجسس، وكارين هيوز المسؤولة عن تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم.. والجامع المشترك في استقالات كل هؤلاء هو سوء السياسة الخارجية أمنياً واقتصادياً ودبلوماسياً. تلك السياسة التي أساءت إلى صورة الولايات المتحدة في العالم، وحتى إلى صورتها في عيون الأميركيين أنفسهم. صحيح أن الرئيس بوش سيبقى في البيت الأبيض كل أيام العام القادم 2008، إضافة إلى 20 يوماً من العام التالي 2009، إلا أنه خلال هذه الأيام الأخيرة من حكمه يواجه أمرين يعكسان مدى انهيار شعبيته في الداخل، التي تقلّ الآن عن ثلث الأميركيين. الأمر الأول هو أن خصومه في الحزب "الديمقراطي" يسيطرون على الكونجرس بمجلسيه: الشيوخ والنواب. وهي سيطرة تعطل على الرئيس بوش المضي قدماً في سياسته الخارجية على النحو الذي يمارسه في العراق تحديداً. الأمر الثاني هو أن أنصاره في الحزب "الجمهوري" يبتعدون عنه يوماً بعد يوم. وتزداد مسافة ابتعادهم مع تقلّص فترة رئاسته. ويعود السبب الأساس في ذلك إلى لا شعبية الحرب على العراق في المجتمع الأميركي التي انعكست على شعبية الحزب كله وليس على شعبية الرئيس وحده. وتلعب عوامل داخلية عديدة أخرى في تراجع شعبية الرئيس منها تدهور الوضع الاقتصادي. وكذلك فشل مشروع الضمان الصحي العام ومشروع تنظيم الهجرة وسواها. أما العوامل الخارجية فحدِّث ولا حرج: من العراق إلى أفغانستان، وحتى باكستان. ثم إن الحرب على الإرهاب لم تؤدِّ إلا إلى اتساع رقعة الخلايا الإرهابية. ولعل الإنجاز الوحيد الذي حققته هذه السياسة على الصعيد الدولي هو الاتفاق مع كوريا الشمالية على تفكيك منشآتها النووية مقابل مساعدات اقتصادية دولية. من أجل ذلك يجد الرئيس بوش نفسه مضطراً بعد سقوط عكازيه، توني بلير وجون هوارد، وبعد تآكل شعبيته الداخلية، إلى الاعتماد أكثر من أي وقت سابق، على الدبلوماسية المتحركة لوزيرة خارجيته كوندوليزا رايس. ولكن هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟!