لا توجد في المرحلة التاريخية الحالية من حياة الأمة العربية، عبر طول بلادها وعرضها، قضايا أكثر أهمية من قضيتي مناهضة "الاستعمار الأميركي" الذي أعاد العرب أكثر من نصف قرن إلى الوراء، ومن إفشال المشروع الصهيوني الذي وصل إلى مستوى الانتشار السرطاني، ولا أكثر إلحاحاً من قضايا المجتمع المفصلية متمثلة في التنمية والديمقراطية والتوزيع العادل للثروة والتجديد الثقافي ومعالجة التجزئة العربية المتفاقمة. من هنا فإن كل قضية فكرية أو أيديولوجية سياسية أو دينية خارج تلك المجالات المفصلية الجوهرية، يمكن تأجيل حسمها أو تهميش الاختلافات حولها أو وضعها في أدنى سُلّم الأولويات وذلك من أجل تكثيف وتناغم الجهود المجتمعية للتعامل مع المجالات الملحُة أعلاه. ولا بد أن تقوم تلك الجهود المجتمعية في الأساس على القوى العاملة في السياسة بشتّى أطيافها؛ القومية والليبرالية والإسلامية واليسارية والمستقلة. والواقع أن هناك ضرورة حياتية قصوى لا تقبل التأجيل والمماحكة، لاتفاق تلك القوى على منطلقات عملية براغماتية مرنة، قابلة للتعديل والتغيير عبر مسارها في الزمان والمكان، لتعبئة أعضائها وتعبئة الرأي العام العربي والقوى المدنية غير السياسية بكل أشكالها للبدء بتطبيق علاجات حقيقية نافعة لتلك المجالات السبعة، والتي طال تعثٌرها وتفشت الأمراض والانتكاسات في أبدانها إلى أبعد حد. لكن ذلك التكاتف وذلك الانتقال إلى الفعل السياسي الواسع، سيحتاج إلى توفٌر شرط يهيئ الأجواء الملائمة لقيام ونجاح ذلك الجهد المشترك. هذا الشرط الضروري هو توقف جميع القوى عن الدخول في معارك جانبية ضد بعضها بعضا، خصوصاً إذا كانت معارك تتعلق باختيارات ثقافية أو دينية فردية، وليس باختيارات جمعية مجتمعية. وكمثال فقط على ذلك معارك التًلاسن الجارحة والسجالات العبثية بين بعض الإسلاميين وبعض الليبراليين بشأن مواضيع مثل لباس أو عمل المرأة المسلمة، وبعض التعبيرات الفنية في السينما والمسرح والتلفزيون والاختلاط في الجامعات ونظرية التطور الداروينية... أليست هذه الأمور، وعشرات مثلها، هي في الأساس اختيارات فردية بين قراءات متباينة للنصوص المقدسة وللاجتهادات الفقهية أو بين عادات ثقافية عربية متناقضة؟ هل حقاً أن وضع الأمة المأساوي المهزوم يسمح بتلك الصراعات العنيفة التي كثيراً ما تنتهي بإطلاق نعوت رمزية جارحة؛ مثل الظلامية أو الفسق والفجور... والتي يطلقها البعض على البعض الآخر، والتي تسمم الحياة السياسية العربية وتجعل قيام العمل المشترك لمواجهة الإشكالات الكبرى المذكورة أعلاه، أمراً مستحيلاً؟ ليس الاعتراض بالطبع على وجود الحوارات الفكرية، وإنما الاعتراض على عدم التفريق بين ما هو فردي وما هو جمعي، بل ومساواتهما، وعلى أسلوب وحدة وشخصنة كل حوار، الأمر الذي يؤدُي في النهاية إلى قطيعة بين أطراف الحوار، وإلى عدم وضع أولويات تاريخية لمواضيع حواراتنا. ولأن من ينصّبون أنفسهم للكلام باسم الدين ومن يعينون أنفسهم للاعتراض باسم الحداثة، هم أبطال تلك السجالات، فإنه لابُد من تذكير الجميع بأن مواقف مثل شطط "نيتشه" في وصف رجال الدين بأنهم من البشر المنحطين ومطالبة "إميل زولا" الغاضبة بتدمير الكنائس فوق رؤوس المتعبدين... لم تمنع من استعادة الكنيسة لسلطتها الدينية في مجتمعات الغرب، ولا من انتعاش الروحانيات بين شعوب الحضارة الغربية. لقد أدرك الغرب أخيراً أن انتظام الدين ومؤسساته في نسق حداثته وأنواره أمر ضروري لمنع تلك الحداثة من الضياع والانحطاط. فلعلُنا نستوعب هذا الدرس جيداً ونحن نسعى لتجييش كل قوى الأمة من أجل التركيز على وضع برامج توافقية مشتركة وخوض نضالات واحدة في المجالات السبعة المهمة التي ذكرنا بدلاً من إضاعة الجهود والوقت في سجالات هامشية ليس أوانها اللحظة التاريخية التي نعيش.