حضرتُ الأسبوع الماضي اجتماعين علميين عن بغداد والعراق. كان الأول في البرلمان البريطاني في لندن، والثاني في ضواحي باريس، بمنزل أحد أبرز مؤرخي العلوم والفلسفة العربية والإسلامية. لم يناقش اجتماع لندن إحصائيات قتلى العراقيين، وقد بلغ عددهم نحو المليون، حسب تقديرات المجلة الطبية البريطانية "لانست"، ولم يعرض نتائج البحوث عن آثار استخدام قذائف "اليورانيوم المنضب" و"القنابل العنقودية"، ولم يتطرق إلى التعويضات التي ينبغي على لندن دفعها للضحايا بموجب القوانين الدولية والبريطانية، وصمت عن واجب دول التحالف بموجب اتفاقيات جنيف فيما يتعلق بالإنفاق على إيواء أربعة ملايين لاجئ عراقي. اقتصر الاجتماع على بحث "فكرة العراق" المتسلطة على أذهان الساسة البريطانيين، والتي توهمهم بأن لندن أنشأت العراق في القرن الماضي، وستعيد إنشاءه كما تشاء. و"فكرة العراق" هو عنوان المحاضرة التي ألقاها في البرلمان البروفيسور "هيو كنيدي"، أستاذ العربية في "كلية الدراسات الشرقية" في جامعة لندن، ومؤلف كتب عدة في التاريخ، أحدثها بعنوان "كيف غيّر انتشار الإسلام العالم الذي نعيش فيه؟". استشهد البروفيسور كنيدي بمصادر تاريخية عدة تبين أن العراق كان يُدعى عراقا، وسكانه يُدعون عراقيين منذ القرنين السابع والثامن الميلاديين على أقل تقدير، وكان الإمام علي رضي الله عنه يخاطبهم بهذا الاسم، ويشير إلى ولائهم لأرض العراق، كذلك كان يفعل كل من يتحدث عن العراقيين أو يخاطبهم، من عمرو بن العاص، والحجاج بن يوسف الثقفي، وحتى الرحالة ابن بطوطة. وليس هناك مكان أنسب من البرلمان البريطاني للعمل بحكمة الكاتب الهزلي الفرنسي موليير: "الأحمق العارف أعظم حُمقاً من الأحمق الجاهل". وقد عملت بحكمة موليير حين وجهت ثلاثة أسئلة للبروفيسور كنيدي. السؤال الأول عمّا إذا كان الأفضل بدلاً من إيراد مراجع ونصوص حول وجود العراق والعراقيين بالاسم قبل نحو 1400 عام، استقراء الواقعة "الجيوبوليتيكية" التي تعيد إنتاج البلد وسكانه منذ أقاموا أول الحضارات الإنسانية قبل نحو 10 آلاف عام؟.. والسؤال الثاني كان حول وجود "عراقَين" يتردد ذكرهما لدى الرحالة والمؤرخين منذ القرون الوسطى على الأقل: "عراق العرب" و"عراق العجم"؟.. والسؤال الثالث ليس مهماً، ويهدفُ، كالسؤالين الأولَّين لتسلية أكاديميين عراقيين شباب حضروا الاجتماع. فأفضل المؤرخين بالنسبة لحكومات لندن "كذباب الخيل"، حسب تصريح المؤرخ البريطاني المعروف "سيمون شاما" لتلفزيون "بي بي سي". ذكر ذلك في التعليق على المطالبة بتعيين مستشار رسمي للدولة لشؤون التاريخ. ولعل رئيس الوزراء السابق توني بلير كان يتسلّى بنش "ذباب الخيل" عندما حذّره المؤرخون الذين استدعاهم للتشاور قبل الحرب من "أن غزو العراق سيكون أكثر صعوبة جداً مما قد جعلوه يعتقد"، حسب "توبي دودج"، أستاذ التاريخ في جامعة لندن. والانتقال في اليوم التالي من البرلمان البريطاني وسط لندن إلى منزل العالم المصري رشدي راشد في ضواحي باريس، كالانتقال في القرون الوسطى من بريطانيا المتخلفة إلى بغداد، عاصمة الثقافة والعلوم العالمية. فبغداد بالنسبة للبروفيسور راشد الذي مُنح هذا العام "جائزة الملك فيصل العالمية"، ليست مكاناً محدداً في التاريخ والجغرافيا، بل هي قلب كتبه الستين، وأبحاثه التي يربو عددها على المائة، والمنشورة في أبرز الموسوعات والمراجع في تاريخ الحضارات والعلوم والفلسفة. وتحتل بغداد الحيّز الأكبر من موسوعة "تاريخ العلوم عند العرب" التي أشرف على تحريرها، وصدرت بالفرنسية والإنجليزية والعربية، وتشكل بغداد موضوع كثير من كتبه المنشورة بمختلف اللغات العالمية، وبينها "علم المناظر وعلم انعكاس الضوء"، و"الجبر والهندسة في القرن الثاني عشر"، و"تاريخ الرياضيات العربية بين الجبر والحساب"، و"تاريخ الرياضيات التحليلية". وتنتشر مؤلفات علماء وفلاسفة بغداد في كل ركن من منزله الشخصي، المخصص بالكامل للكتب، وتمتد إلى رفوف مسكنه العائلي، ومزرعته خارج باريس. وعندما يتحدث البروفيسور راشد عن الكندي والخوارزمي وثابت بن قُرة والأشقاء الثلاثة من أسرة "بنو موسى"... أشعر كأنه تناول الفطور معهم قبيل لقائنا في مقهى الضاحية بباريس. وأكاد أسمعهم يئنون بقلبه، ويفكرون بعقله. وهذه ليست محض عاطفة أشعلها احتلال بغداد، بل هو منهجه العلمي الذي يقول عنه في "موسوعة تاريخ العلوم العربية" إنه "من أجل معرفة وافية بالعلم العربي، لا بد من إرجاع هذا العلم إلى إطاره، إلى المجتمع الذي رأى فيه النور بمستشفياته ومراصده وجوامعه ومدارسه... فكيف يمكن فهم تطوراته إذا غابت عن بالنا المدينة الإسلامية ومؤسساتها ووظيفة العلم فيها وأهمية الدور الذي استطاع أن يلعبه؟.. إنه لتفكير ضروري لن يلبث أن يبدد آراء خدّاعة وليدة الجهل، متأصلة إلى يومنا، ما زالت تقوقع العلم ضمن هامشية مزعومة حول تخوم هذه المدينة، أو ترصد انحطاطا علمياً وهمياً ابتداءً من القرن الثاني عشر كنتيجة لردة كلامية دينية متخيلة". وكان الله في عون أعضاء لجان الجوائز العالمية التي مُنِحت للبروفيسور راشد. فهو يتحدّى التصنيف، كعالم رياضيات، أو كمؤرخٍ للعلوم، أو فيلسوف. ولعل مجموع قدراته، كعالم وفيلسوف ومؤرخ، قادته إلى حقائق "غافية" في قلب التاريخ، كالكشف عن أن "الحضارة الهيلينية" هي في الواقع حضارة المنطقة العربية الإسلامية، وفي قلب تراثها كانت "تغفو" نصوص علوم الفلك والكيمياء والطب التي أيقظها فيما بعد العلماء العرب والمسلمون. تاريخ وفلسفة العلوم العربية الإسلامية يتحدّى بالعراق وعاصمته بغداد، كما تتحدّى بالوردة أغنية الرقص الأندلسية: "هنا الوردة فلنرقص هنا"!... فأيُّ بلد كالعراق احتل مركز الحضارة العالمية مرات عدة؟ وأيُّ مدينةٍ كبغداد أصبحت عاصمة العالم في الثقافة والمثقفين على مدى خمسة قرون متواصلة؟.. يذكر ذلك ديفيد كينغ، أستاذ تاريخ العلوم في جامعة غوته في ألمانيا، في محاضرته الاحتجاجية ضد الغزو الذي دمّر بغداد عام 2003 كما دمّرها المغول في القرن الثالث عشر. ويعلن البروفيسور كينغ أن المخطوطات المحفوظة خارج العراق كشفت خلال العشرين سنة الماضية معلومات جديدة عن فتوحات بغداد في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين في علوم الفلك والجغرافيا والرياضيات والترجمة. ويذكر البروفيسور كينغ أن هذه المخطوطات احتوت أقدم الجداول في علم المثلثات، وأقدم الدفاتر الفلكية بالعربية، وتضمنت معلومات جديدة عن أفضل من كتب العلوم بالعربية، كالخوارزمي، وحبش الحاسب، وثابت بن قُرّة. وعثر العلماء فيها على أول الجداول التي تحدد مواعيد الصلاة، بواسطة طول الظل، والشفق، وأول الجداول لتحديد أوقات النهار بواسطة الشمس والليل بالنجوم، وأول الجداول التي تعيّن اتجاه مكة لجميع خطوط الطول والعرض، وأول الجداول لتنظيم التقويم الإسلامي القمري، وأول جداول خطوط العرض والطول الجغرافية، وأول خريطة للعالم بالعربية، وأول قياسات إسلامية "جيودستية" لشكل الأرض وسطحها، وأول تاريخ فلكي بالعربية، وأول مواضيع فلكية، حول التعرف على بغداد، وطول عمر الإنسان، وأمور أخرى، وأول قبة سماوية إسلامية مرسومة في إسطرلاب مصنوع في القرن العاشر. بغدادُ "الوردة" في تاريخ الحضارة الإنسانية..