ماذا يحدث في "جمعية حقوق الإنسان" بالدولة؟ هذا هو السؤال الذي يشغل بال الكثيرين في الأيام الأخيرة، وتحديداً بعد تناول العديد من التقارير والأقلام الصحفية وقائع مشينة منسوبة إلى أحد أعضاء هذه الجمعية، وتتلخّص في قيامه بتزويد منظمات وجهات خارجية بملفات قيل إنها موثّقة ومصوّرة عن أوضاع العمال في الدولة، كي يتم استخدام هذه المستندات التي لا يعرف مصدرها ولا مدى صدقيتها، ضد الدولة في التقارير التي تصدرها هذه المنظمات التي أثبتت غير مرّة عدم موضوعيتها وافتقارها لأدنى معايير العمل المنهجي والمؤسسي الدقيق في الحكم على أوضاع العمالة الوافدة بدولة الإمارات. "جمعية الإمارات لحقوق الإنسان"، شأنها شأن معظم جمعيات النفع العام في الدولة، لم تقم منذ إنشائها بدور ملحوظ في خدمة مجتمع الإمارات وتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، فالكل لا يشعر بوجود معظم هذه الجمعيات إلا من خلال أخبار الخلافات بين أعضائها أو حل مجالس الإدارات أو الاستقالات والاتهامات المتبادلة بين الأعضاء أو اجتماعات دورية وانتخابات وغير ذلك من أمور روتينية لا تقدّم ولا تؤخّر في تحقيق أجندة "النفع العام". "جمعية الإمارات لحقوق الإنسان" على وجه التحديد يلازمها الجدل منذ مولدها والإعلان عن إشهارها في فبراير 2006، ولم تقدّم ما كان منتظراً منها في وقت كان الجميع، محلياً وإقليمياً، يترقبون نشاط هذه الجمعية التي وعد مجلس إدارتها بعد تشكّله مباشرة بأن يكون "خادماً" لجميع شعب الإمارات من أجل إعلاء حقوق الإنسان في الدولة، لكن ما حدث جاء على خلاف التوقعات، فلم يشعر الكثيرون بوجود الجمعية سوى عبر بيانات جدليّة من جانب بعض أعضائها، وأيضاً سمع الجميع بنبأ استقالة أربعة من أعضاء مجلس الإدارة، وما تلا ذلك من جدل وتراشق كلامي واتهامات متبادلة. الحدث المفاجأة أو الأبرز في مسيرة "جمعية حقوق الإنسان" منذ نشأتها هو الأنباء الصحفية بشأن التقارير السلبية التي يزوّد بها أحد أعضاء الجمعية جهات خارجية، وهي واقعة تنطوي على دلالات سلبية بالغة الأهمية على صعيد العمل التطوعي العام. وبانتظار التحقيق الذي أمرت بإجرائه مريم الرومي، وزيرة الشؤون الاجتماعية، للتحقّق من صحّة ما تردّد في هذا الشأن، فإن الجميع ينتظر أن تصدر نتائج هذا التحقيق بالسرعة التي تتناسب مع خطورة الموضوع، ولكي توضع النقاط على الحروف وتكشف الحقائق على الملأ. إذا ثبتت صحّة ما تناولته الأقلام الصحفية من ممارسات بالغة الخطورة لأحد أعضاء "جمعية حقوق الإنسان"، فإن الأمر يتجاوز في خطورته البحث في مسألة تمثيل هذا الشخص لمجلس إدارة الجمعية من عدمه، إذ إننا سنكون في هذه الحالة في مواجهة حقيقة مفادها استغلال مظلة جمعية تطوعية للإضرار بالصالح العام والإساءة إلى سمعة الدولة التي سمحت له بالعمل تحت مظلة القانون والنظام العام. التوصيف القانوني لهكذا ممارسات يظلّ ضمن سلطة الجهات المعنية المتخصّصة، لكن يبقى حكم المجتمع على أي متورّط في هكذا تصرّفات مسيئة، وتبقى علامات الاستفهام حول دوافع أي تصرّفات مرفوضة من هذا النوع، ويبقى أيضاً النقاش مفتوحاً حول مدى الالتزام بمفهوم العمل التطوعي الذي يشكّل ركيزة محورية لتكوين جمعيات النفع العام، بمعنى أن هناك انتفاءً تاماً للمصالح والمنافع والأهداف الذاتية والأجندات الخاصة، وهناك أيضاً انتفاءً للفساد في جمعيات يفترض أن أحد أهداف نشأتها والتفاف الأعضاء حولها هو التصدّي لأي مظاهر فساد وليس التورّط فيها، والمهم بعد ذلك كله أن تصحّح الجمعية مسارها وأن تقوّم دورها وتعيد توجيه بوصلتها باتجاه الهدف الصحيح الذي دفع الغيورين من أبناء الوطن إلى العمل تحت مظلتها أو انتقاد أي شطط فيها ومحاولة تصحيح مسارها.