خلال الشهور الستة الماضية، نجح العلماء في تحقيق العديد من الاكتشافات في مجال مسؤولية الجينات عن الإصابة ببعض الأمراض؛ مثل السكري، وأمراض القلب، وسرطان الثدي والأمعاء، وخرف الشيخوخة، والسمنة. وسرعان ما ترافقت هذه الاكتشافات، مع زيادة مماثلة وهائلة في عدد الشركات الخاصة، العاملة في مجال الفحوصات الوراثية بغرض التنبؤ باحتمالات الإصابة بالأمراض. وأمام هذه التطورات، في شكليها العلمي والتجاري، لا بد وأن يتساءل المرء عن القيمة الحقيقية لهذه الفحوصات؟ وما إذا كان من الممكن أن تسبب أضراراً أكثر من فوائدها المزعومة؟ للإجابة على هذين السؤالين، لا بد أن نسترجع بعض المعلومات الأساسية عن المسح الطبي (Medical Screening)، وعن الفحوصات الوراثية. بداية، يعرف المسح الطبي على أنه الاستراتيجية المعنية باكتشاف الأمراض ضمن أفراد المجتمع، وقبل أن تظهر عليهم أي من أعراض أو علامات المرض. وتهدف هذه الاستراتيجية الطبية إلى الكشف عن الأمراض في مراحلها الأولية، مما يتيح التدخل العلاجي المبكر، على أمل خفض تفاقم هذه الأمراض ولتجنب مضاعفاتها، مما يقلل في النهاية من المعاناة المرضية في المستقبل، وربما يجنب الكثيرين الوفاة المبكرة. ورغم أن المسوحات الطبية يمكنها تحقيق التشخيص المبكر، فإنها تحمل في طياتها بعض المخاطر والأضرار، مثل فرط التشخيص والذي يتم فيه تشخيص حالات غير مصابة بالمرض، أو احتمال الخطأ في التشخيص. وكثيراً ما تخلق المسوحات الطبية نوعاً من الإحساس بالأمان الكاذب، بين من تظهر الفحوص الأولية عدم إصابتهم بالمرض. وأمام هذه المحاذير والأضرار، تخضع الفحوصات التي تستخدم في المسوحات الطبية لمعايير دقيقة، كشرط أساسي لصلاحيتها للاستخدام، مثل أن تكون محددة تجاه مرض بعينه، وأن تكون عالية الحساسية. وأفضل مثال على مثل هذه النوعية من الفحوصات، هو أشعة "الماموجرفي" المستخدمة للكشف عن سرطان الثدي، أو مسحة عنق الرحم للكشف عن سرطان عنق الرحم. وأحياناً ما تستخدم المسوحات الطبية على نطاق واسع بين أفراد طائفة محددة من المجتمع مثل طلاب المدارس، والذين يخضعون في بعض الدول لفحوصات دورية لقياس قوة النظر، وقوة السمع، وصحة الأسنان، وتشوهات العمود الفقري. أما الفحوصات الوراثية، فتسعى إلى تحقيق أحد هدفين، إما تشخيص مرض وراثي موجود بالفعل، أو التنبؤ باحتمالات الإصابة بأمراض محددة في المستقبل. ويتم تحقيق هذين الهدفين، من خلال فحوص كيميائية، أو من خلال دراسة الكروموسومات والجينات كل على حدة. ويأتي تزايد أهمية الفحوصات الوراثية في عالم الطب نتيجة أسباب عديدة، منها: تواصل اكتشاف أمراض وراثية جديدة لم تكن معروفة من قبل، مع زيادة الإدراك بمدى الانتشار الواسع لهذه الأمراض بين الأفراد والمجتمعات. بالإضافة إلى تجدد الآمال بإمكانية توفر أساليب علاج فعالة في المستقبل، تعتمد على الاختراقات الحديثة في مجال الهندسة الوراثية، ويمكنها تحقيق الشفاء التام. ومن ما سبق، نجد أولاً أن المسح الطبي هو ممارسة طبية ثابتة ومهمة في الكشف المبكر عن الأمراض، وثانياً أن الفحوصات الوراثية تعتبر أداة مهمة للتنبؤ باحتمالات الإصابة بالأمراض في المستقبل. وأمام هاتين الحقيقتين، ما هي المشكلة إذن في تزايد المعروض من الشركات التجارية التي توفر فحوصات وراثية بهدف التنبؤ بالأمراض؟ أولاً: لا تعتمد الكثير من هذه الفحوصات التجارية على أساس علمي متين، ويغيب عنها الدليل القاطع على فعاليتها كوسيلة لرسم خريطة صحية مستقبلية. وكثيراً ما يمكن ببساطة التنبؤ بنتيجة هذه الفحوصات، من خلال مراجعة التاريخ العائلي المرضي للشخص، وهو ما يعني أن غالبية ما ينفق على هذه الفحوص هو في الحقيقة أموال مهدرة. ثانياً: في حالة ما أظهرت تلك الفحوص أن الشخص معرض بشكل كبير للإصابة بمرض ما، السرطان مثلاً، فسيعيش هذا الشخص في حالة مستمرة من القلق، وربما الاكتئاب، في انتظار (احتمال) إصابته بالسرطان. وإذا ما أظهرت تلك الفحوص ضعف احتمالات إصابة الشخص بمرض ما، السكري مثلاً، فسيمنحه ذلك إحساساً زائفاً بالأمان يجعله يتجاهل عوامل الخطر الأخرى مثل السمنة وحياة الكسل، وهي عوامل معروف عنها تسببها في الإصابة بالسكري حتى ولو كان الشخص غير مهيئ وراثياً. نفس هذا السيناريو قد ينطبق على شخص تدل فحوصاته الوراثية على ضعف احتمالات إصابته بأمراض القلب، مما قد يشجعه على الاستمرار في التدخين، أو شرب الكحوليات، أو تناول الأطعمة المحتوية على الدهون المشبعة، وهي كلها عوامل خطرة تسبب الإصابة بالذبحات الصدرية حتى في ظل عدم وجود استعداد وراثي. ثالثاً: تحمل النتائج غير المؤكدة لهذه الفحوصات التجارية في طياتها، خطر فقدان ثقة العامة في الفحوصات الأخرى المعروف والثابت أهميتها في التنبؤ بأمراض خطيرة، مثل فحص جين (BRAC1) المرتبط بشكل وثيق بسرطان الثدي، مما قد يؤدي لعزوف أفراد المجتمع عن إجراء هذه الفحوصات المهمة. رابعاً: كثيرا ما لا توفر هذه الشركات فرصة الاستشارة الطبية من قبل طبيب متخصص في الأمراض الوراثية، وهو ما يترك المريض بنتائج فحص لا يدري معناها ولا مغزاها. كل هذه السلبيات والمخاطر التي تتعلق بالتسويق التجاري للفحوصات الوراثية، تتطلب تنظيماً قانونياً، يشترط تدخل طبيب منذ البداية، لتحديد مدى فعالية الفحص المطلوب، ثم لتفسير النتائج للمريض، ومنحه النصيحة المتوافقة مع نتائج فحصه. فليس من المعقول أن نشترط مثل تلك الاشتراطات لمن يحتاج مضاداً حيوياً، بينما نترك الحبل على الغارب عندما يتعلق الأمر بقراءة الطالع الطبي.