أثناء دراستنا لنماذج ونظريات صنع السياسة الخارجية الأميركية، كنا نعجب أشد العجب من نظرية تعزو هذه السياسة لما تسميه الصراعات البيروقراطية. إذ كنا نفترض قبل أن نذهب للولايات المتحدة ونراها أو نعايشها من الداخل ونقرأ عن تاريخها السياسي والدبلوماسي بقدر أكبر من التركيز والاهتمام، أن السياسة الخارجية تصنعها مؤسسات مقتدرة تقوم بتصميم السياسة مثلما يصمم علماء "ناسا" مراكب الفضاء حيث كل شيء محسوب بصورة عقلانية ولا مجال فيها للخطأ! ما تقوله هذه النظرية مناقض تماماً لهذا الافتراض. فهي تقول إن الهيئات البيروقراطية (أي ما ننظر إليه من الخارج بقدر كبير من الهيبة والاحترام ونسميه: المؤسسات!) تطور مع الوقت مصالح ذاتية خاصة بها وأنها قد تتصادم وتتعارض في مواقفها من السياسة الخارجية وعليها دائماً أن "تتفاوض" حتى تصل -أو لا تصل- إلى حلول وسط أو إلى سياسة متفق عليها. وغالباً ما تخوض هذه الهيئات البيروقراطية صراعات عميقة وكبيرة في سياق وضع السياسة الخارجية أو القرار السياسي الخارجي وخاصة حيال الأزمات المهمة. حسناً. التنازل الوحيد الذي قدمته هذه النظرية لتصوراتنا الساذجة عن "صنع السياسة في المجتمعات الديمقراطية" بالمقارنة بمجتمعاتنا العربية التي يهيمن عليها قائد، هو أن الرئيس الأميركي ليس هو صانع السياسة الخارجية الوحيد، وأن هناك هيئات كثيرة أخرى تشاركه بل وقد تتغلب عليه في قيمة تصورها عن السياسة أو القرارات الخارجية. وكنا ندرس نماذج لهذا الصراع البيروقراطي وخاصة صنع السياسة الأميركية حول أزمة الصواريخ الكوبية عام 1963. على أي حال لا بد للمرء من أن يستدعي هذه النظرية بعد قراءة ما أذيع من ملخص عن تقرير وكالة المخابرات الأميركية حول الملف النووي الإيراني. وقد أشارت وكالات الأنباء بالفعل لما تسبب فيه التقرير الذي أذيع ملخصه يوم الثالث من ديسمبر الجاري، من إزعاج شديد للبيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية. فمحتوى التقرير ينفي عن إيران الاتهام الذي يوجهه لها الرئيس الأميركي بأنها ضالعة في تطبيق برنامج لصنع قنابل ذرية أو للاستخدام العسكري للطاقة الذرية. يقول التقرير إن ذلك ربما كان سليماً لكن إيران توقفت عنه في عام 2003، وهو العام الذي وقع فيه الغزو الأنجلو -أميركي للعراق. وأذيع التقرير الذي أعد منذ شهور، قبل أيام من جلسة مقررة لمجلس الأمن الدولي لفرض سلة ثالثة من العقوبات الاقتصادية ضد إيران وبعد أن ضمنت الإدارة الأميركية موافقة كل من روسيا والصين. ومن ثم تأجلت هذه الجلسة. ويبدو أن الإدارة ستواجه صعوبات كبيرة في فرضها، في أي وقت قريب وطالما بقي وقع هذا التقرير الصادر عن أهم جهة استخباراتية أميركية. وعامة فإن التقرير يوجه ضربة قاصمة لسياسة إدارة بوش نحو إيران. وأعتقد أن له قيمة ثورية بالنسبة لمستقبل السياسة الأميركية. المسألة هي كيف نفسر هذه الضربة أو هذا التوجه المفاجىء لجهاز الاستخبارات الأميركي. وثمة بعض التفسيرات التقليدية. في الجهاز نفسه يتحدثون للصحافة عن الأهمية التي يشعرون بها لاستعادة المصداقية التي أطاحت بها أحداث 11 سبتمبر. كما أنهم ضمناً يحاولون تبرئة الجهاز من الاتهام الثابت بالضلوع في التحضير لغزو العراق عن طريق معلومات مفبركة, أو بالضلوع في التدبير للحروب الأميركية في الخارج عموماً. يعني ذلك أن الوكالة تريد أن تصور نفسها باعتبارها جهازاً يتجه بولائه فعلاً للشعب الأميركي وليس لإدارة أو رئيس وأنها ليست مدفوعة بجاذبية مفترضة للحروب في الخارج بل تقدم تقديرات "عقلانية" للمواقف والأزمات. وفي هذه الحالة تحديداً يبدو أن التقرير وجه ضربة قوية للغاية لأي سيناريو أو توقعات أو نوايا بقيام الولايات المتحدة بحل خلافاتها مع إيران بصورة عسكرية. السيناريو العسكري صار أبعد بكثير مما كان البعض يعتقده. وهنا حجر الزاوية في فهم مغزى التقرير وإذاعته. إذ أن ثمة نظرية تقول بأن الصراع الحالي في الولايات المتحدة يدور في الحقيقة حول تصفية وتقييد "المحافظين الجدد" ودورهم في صنع السياسة الخارجية الأميركية. فثمة شعور عارم وخاصة بعد تقرير "بيكر-هاملتون" بأن "المحافظين الجدد" زجوا بالولايات المتحدة في حرب ضروس ومكلفة وليس لها قيمة في لوحة المصالح الموضوعية للولايات المتحدة. وإذاعة التقرير ليست سوى آلية واحدة من بين آليات أخرى لمصادرة وإجهاض مخطط "المحافظين الجدد" أو من يسمون "عصابة تشيني" التي تدفع الإدارة للصدام العسكري مع إيران. ولا شك أن كلفة الحرب العبثية التي تخوضها الإدارة الأميركية في العراق هي الدافع المباشر لجميع هؤلاء الأشخاص والهيئات التي ترى تجنيب الولايات المتحدة مغبة حرب أخرى في منطقة الشرق الأوسط قد تكون الحرب في العراق بالنسبة لها "لعبة أطفال". فالتكلفة المادية للحرب في العراق وصلت ثلاثة أرباع تريليون دولار وهو رقم فلكي بكل المقاييس. ومع ضخامة الخسائر الاقتصادية يظل الفشل السياسي والعسكري الأميركي في العراق هو العامل الأهم في تكييف موقف مختلف الفعاليات والقوى. إذ أن هذا الفشل قد يطيح بالنفوذ بل وبالمكانة الأميركية في العالم كله. والواقع أن هدف تصفية بقايا "المحافظين الجدد" لا يبدو نظرية كافية لتفسير إطلاق التقرير في هذا التوقيت بالذات. وأعتقد أن التفسير الأدق لا يتعلق بـ"المحافظين الجدد" أو بعصابة تشيني بقدر ما يتعلق بالعلاقات الأميركية- الإسرائيلية تحديداً. وما أعتقده أن هناك شعوراً متزايد العمق والاتساع بأن الولايات المتحدة سلمت روحها ومصالحها وسياساتها لإسرائيل بأكثر كثيراً مما يجب. ويسبب هذا الشعور سخطاً شديداً وعميقاً وإن كان مقموعاً بين صفوف النخبة الأميركية المثقفة. ويتبلور هذا السخط ضد فكرة أن يكون "الذيل هو ما يجر الكلب" وليس العكس. وبينما وجدنا تعبيرات شديدة الوضوح لهذا السخط المتنامي في دوائر النخبة الأكاديمية الأميركية، يبدو أنه وجد طريقه أخيراً للهيئة الوحيدة من هيئات الإدارة التي لم تخضع بعد للنفوذ الإسرائيلي أو نفوذ التيار اليميني في الحركة الصهيونية الأميركية. وبطبيعة الحال ثمة قدر كبير من الاختلاط بين "المحافظين الجدد" وأدوات التيار اليميني في الحركة الصهيونية الأميركية. لكن ليس هناك تطابق حقيقي. فبعض "المحافظين الجدد" لا تهمهم إسرائيل إلا بقدر ما يهمهم بعث "المجد الأميركي" أو الأيديولوجيا الوطنية الأميركية المتشددة. كما أن أكثرية اليمين الصهيوني الأميركي لا تحسب مع "المحافظين الجدد" إلا فيما يتعلق بإسرائيل. وعلى أي حال فإن العسكريين الأميركيين الأقحاح كانوا قد حاولوا التعبير عن رفضهم لهذا الدمج بين المصالح الأميركية والإسرائيلية أثناء النقاش حول غزو العراق الذي يراه أكثرهم مشروعاً إسرائيلياً صرفاً. والآن يبدو أن المخابرات صارت هي التعبير الأفضل عن جميع هؤلاء الذين يريدون سياسة أميركية تعكس مصالح أميركا أكثر مما تعكس مصالح إسرائيل. ورغم إذاعة محتوى التقرير، فهو لم ولن ينهي الصراع في ظل إدارة بوش. وأظن أن هدفه هو إضاعة الوقت على هذه الإدارة حتى لا تقوم بضرب إيران وتوريط الولايات المتحدة في حرب أخرى في عالم الإسلام. وبذلك يكون قد تم وأد المشروع العسكري بصورة نهائية لأن الرئيس الأميركي المقبل قد لا يكون بنفس قوة التوحد بين بوش وإسرائيل. ولأن إسرائيل قوية جداً من داخل الإدارة ومن خارجها، فالصراع حول تعريف المصالح والتدابير الاستراتيجية الأميركية في العالم الخارجي عموماً وفي الشرق الأوسط خصوصاً، يتم بوسائل تحتية ومن خلف ستار أكثر كثيراً مما يتم التعبير عنه في العلن. ولذلك فالمقياس الحقيقي لشدة الصراع هو مدى تمسك وكالة الاستخبارات الأميركية بتقريرها، فهل تتراجع عنه أم تصمد دفاعاً عن محتواه وعن نتائجه.