تطوير التعليم هدف استراتيجي لا خلاف عليه بل هو خيار حتمي لا فكاك منه لدولة الإمارات التي تسعى بقوة إلى تعزيز تنافسيتها الاقتصادية والتنموية، لكن ما حدث مؤخراً من جدل مجتمعي وإعلامي حول امتحان الرياضيات للصف الثاني عشر، ربما يكشف عن وجود "أزمة" غير واضحة الأسباب يعانيها مشروع تطوير التعليم. مظاهر هذه الأزمة واضحة للعيان وتتلخص في تعثر الكثير من الخطوات المستحدثة الرامية إلى تطوير المناهج والامتحانات، كما يلاحظ وجود انتقادات عديدة لتجربة مدارس الغد التي تنطوي على أهداف تعليمية طموحة تستحق بالفعل الانتظار على نتائجها. وربما يكون من الجائز أو من الوارد أن تنتج هذه التفاعلات في مجملها بيئة مجتمعية رافضة لفكرة التطوير من الأساس استناداً إلى المردود السلبي لبعض الخطوات التي تمت حتى الآن على هذا الدرب؛ وبالتالي فلا يعتقد أنه من مصلحة المجتمع ككل أن يتواصل الجدل والنقاش استناداً إلى أخطاء في التطبيق لا تقلل بالضرورة من القيمة النوعية الهائلة لفكرة التطوير. النقاش والجدل بحد ذاتهما ظاهرة صحية وإيجابية، لكن ما يحدث ليس نوعاً من الجدل العقلاني الذي يؤدي إلى نتيجة ما أو بناء قواسم مشتركة بين طرفي الحوار، بل هو أقرب إلى "حوار طرشان" بين وزارة التربية والتعليم من جهة، والميدان بأضلاعه كافة من طلاب وطالبات وأولياء أمور ومدرسين ومدرسات من جهة ثانية؛ فمن تابع ردود الأفعال الواردة في بعض المواقع الإلكترونية للصحف المحلية التي غطت تفاعلات الأزمة المثارة حول الورقة الامتحانية لمادة الرياضيات، يكتشف بسهولة وجود حالة من التضاد والتنافر بين الميدان والمسؤولين التربويين، وهذا التنافر وصل في أحيان كثيرة إلى مستويات حادة ولافتة للانتباه، وبدا ذلك واضحاً في ردود الأفعال الحانقة على تصريحات أحد موجهي الوزارة التي قال فيها، إن الامتحان في مستوى الطلاب، ما أثار حفيظة الجميع، لاسيما في ظل حالة الإجماع غير المسبوقة بين الطلاب والمدرسين على ما شاب الورقة الامتحانية من قصور. المشكلة في ذلك كله أن تطوير نظام الامتحانات بهذه الطريقة لم يقض على سلبيات النظام القديم لما كان يعرف بالثانوية العامة، بل كرس بعضها مثل الدروس الخصوصية، فيما أفرز بدوره سلبيات جديدة عديدة يصعب حصرها، وفوق ذلك كله أنتج النظام المطور فوبيا "الثانوية" بشكل جديد. البعض يرى أن فكرة التطوير والهدف منه لم يتبلورا بشكل كامل لدى المعنيين بعد، بدليل أن ما وصفه الجميع بـ"اللوغاريتمات" التي وردت في امتحان الرياضيات لهذا العام، لم يكن الحدث الأول من نوعه حيث شهد العام الماضي اختبار الطلاب على طريقة "الكلمات المتقاطعة" في أزمة مشابهة وإن كانت تقل قليلاً لجهة مستوى ردود الأفعال عن أزمة امتحان الرياضيات. بينما يرى آخرون أن أسلوب حرق المراحل في التطوير هو السبب المباشر في تكرار هذه الأحداث، وما يضاعف من تبعات هذا الأسلوب أن هناك تغييباً حقيقياً للميدان في مراحل التطوير، حيث يعتمد مسؤولو الوزارة على تقارير ربما لا تقدم النبض الحقيقي للميدان تجاه ما يستحدث من خطوات تطويرية. من الضروري ألا يكون لهذا الجدل تأثير سلبي في استمرارية تطوير المناهج والامتحانات، لكن من الضروري بالمقابل ألا تصم وزارة التربية والتعليم آذانها عن سماع الشكاوى وأن يتسع صدرها للنقد وألا يتحول الجدل إلى صراع ينسف خطوات التطوير أو يؤجلها أو حتى يؤثر سلباً في مسارها، طالما أن الجميع هدفهم المصلحة العامة. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية