كانت المفارقة الأكثر دلالة، والأقل إثارة للانتباه في قمة السلام التي رعتها الولايات المتحدة في مدينة "أنابوليس"، هي تلك المتعلقة بالدول التي حضرت المؤتمر. فسوريا التي نادراً ما نتحدث معها كانت حاضرة، والسعودية التي لم يسبق لها في أي وقت أن تحادثت مع الإسرائيليين كانت حاضرة هي الأخرى. أما الدولتان اللتان لم تحضرا فكانتا- وهنا مكمن الغرابة- العراق والكويت اللتان ساهمت القوات الأميركية في تحريرهما من قبضة صدام حسين. نعم... العراق والكويت اللتان تستضيفان معظم القوات الأميركية الموجودة في المنطقة، وتمتلكان برلمانيين منتخبين، هما الدولتان اللتان غابتا عن المؤتمر! وحسبما علمت فقد طلب الكويتيون من الأميركيين عدم توجيه الدعوة إليهم منذ البداية، أما العراقيون فقد وجهت الدعوة إليهم بالفعل، لكنهم امتنعوا عن الحضور. لا تفهموني خطأ... أنا لا أريد القول إن المؤتمر كان فاشلاً، فالحقيقة أنه كان نافعاً. لكن النقطة التي أريد إيضاحها أنه عندما تُضيع دولة كبرى كالولايات المتحدة عاماً كاملاً في الاتصال بالدول ودعوتها، ثم تفاجأ بعد ذلك بأن الشعبين اللذين أنقذت حياتهما من قبل لم يحضرا، فإن الأمر هنا لا يكون صادماً فحسب بل يصبح مثيراً للاهتمام أيضاً. إن هذه الواقعة تكشف عند إمعان النظر فيها عن مشكلة جوهرية تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي أن جميع دول المنطقة تعاني من انقسامات داخلية عميقة، بل إن بعضها تشتعل فيه بالفعل حروب أهلية نشطة، كما هو الحال في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان، وبعضها الآخر يعاني من حروب أهلية كامنة تحت الرماد. وهذه الحروب الأهلية النشطة والكامنة قائمة منذ أن تم تكوين تلك الدولة ورسم خرائطها بأقلام استعمارية لم تراع خطوط التقسيم العرقي أو رغبة المجموعات العرقية في العيش معاً. وظلت هذه البلاد لفترات طويلة قائمة بفضل القوى الاستعمارية، وبعد ذلك بفضل الحرب الباردة، أو الثروة البترولية، أو عن طريق القادة والطغاة الذين حكموا تلك البلاد بأسلوب القبضة الحديدية. ما حدث في الفترة الأخيرة هو أن الغطاء المحكم الذي كان مفروضاً على تلك الدول، قد بدا يرتخي قليلاً ليكشف -خصوصا في البلدان التي توجد لديها برلمانات حقيقية مثل فلسطين ولبنان والعراق والكويت- عن عمق الانقسامات القائمة في تلك المجتمعات، وذلك بدلاً من أن يساهم النظام البرلماني في صياغة إجماع جديد داخلها. والسبب الذي جعل عملية إرخاء الغطاء المفروض على تلك الدول، تؤدي إلى تعميق الانقسامات العميقة في تلك الدول بدلاً من العمل على حلها، هو أن تلك الانقسامات تتعلق بأمور جوهرية مثل الخط الفاصل بين الدين والدولة، وحقوق المرأة، والأقليات، ودور المواطنين. فالبرلمان الكويتي على سبيل المثال يتكون من أقلية ليبرالية وأغلبية إسلامية لا تحب إسرائيل (كذلك لا تحب الفلسطينيين كثيراً). أما البرلمانيان اللبناني والفلسطيني فمعطلان بسبب الاختلاف وانعدام التوافق. لكن ماذا عن العراق؟ كان الجلوس مع الإسرائيليين أحد الأمور العديدة التي لم يستطع العراق الاتفاق عليها، وهو ما يكشف عن السبب في عدم قدرة سياسة زيادة عدد القوات في العراق على تحقيق تقدم كبير في مجال المصالحة الوطنية. ويوم الثلاثاء الماضي جاء في تقرير لوكالة "الاسوشيتد برس" أن هناك مشادة كلامية عنيفة، قد وقعت في البرلمان عندما قال مشرّع شيعي كبير هو "بهاء الأعرجي"، عضو مجلس النواب العراقي عن التيار الصدري، إن لديه دليلا على أن الزعيم السني المعروف "عدنان الدليمي" قد وصف الشيعة بأنهم" رافضة"، وأنه اعتبر قتلهم حلالاً. وكما ترون فإن الأمر هنا يتعلق بخلافات دينية تاريخية، وليس بمجرد تقسيمات بين ديمقراطيين وجمهوريين. وما تقوم به الولايات المتحدة في العراق حالياً هو أمر لا سابق له، حيث تستضيف أول حوار "أفقي" حقيقي في التاريخ العربي المعاصر يتم بين القواعد الانتخابية. فإذا ما تمكن الشيعة والسنة والأكراد بالفعل من كتابة عقدهم الاجتماعي الخاص، فإن ذلك سيعني أن هناك حواراً جديداً سينشأ وهو حوار يختلف عن تلك النوعية من الحوارات الرأسية المعروفة في العالم العربي، أي تلك التي تتم في شكل أوامر وتوجيهات من القمة إلى القاعدة أو من خلال أسلوب القبضة الحديدية الذي كان مناسباً لهذا الجزء من العالم. وما تقوم به أميركا هناك -لو فكرنا فيه جيداً- أمر على قدر هائل من الأهمية، بل يمكنني أن أقول إن مجرد التفكير في حدوثه كان أمراً يكاد يكون مستحيلاً. وكل دولة من الدول العربية، وإسرائيل كذلك، لها "غزتها" الخاصة، وذلك بحسب "مأمون أفندي" مدير برامج الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن، والذي يقول إن ذلك "يعني أن أي فئة أو طائفة معادية للسلام، وأصولية، وكارهة للأجانب، تريد أن تحول دون إتمام أي مصالحة، ما لم تتمكن من إيجاد غزتها الخاصة أولاً، سوف تواجهه مشكلات". وينطبق هذا أيضاً على إيران. وأنا في الوقت الراهن موجود في البحرين التي لا يفصلها عن إيران سوى الخليج من أجل حضور الاجتماع السنوي للمعهد. وكان من المقرر حسب جدول الاجتماع حضور وفد إيراني كبير، إلى جانب وفد أميركي كبير، لكن الإيرانيين قرروا إلغاء حضورهم في اللحظة الأخيرة؛ بسبب قتال داخلي أيضاً. يعلق "ستيفن بي كوهين" مؤلف الكتاب الذي سيصدر قريباً تحت عنوان "خارج نطاق القبضة الأميركية: تاريخ الشرق الأوسط"، على ذلك بقوله: "إن جميع هذه الدول تشبه حكاية قصيرة غير مكتملة". الدليل على مصداقية قول كوهين إننا إذا ما نظرنا فقط إلى الفاعلين الرئيسيين في الشرق الأوسط، مثل السعودية ومصر وإسرائيل والأراضي الفلسطينية ولبنان، فسنجد أن قادة هذه الدول الذين ذهبوا إلى "أنابوليس"، هم في الأساس منخرطون جميعا في صراعات مع خصومهم المحليين، وهي صراعات تحد من قدرتهم على المناورة. ويضيف كوهين: "إن كل زعيم عربي لديه في وطنه (حزب لله) يؤمن بأنه ليس هناك ما يلزمه بالاهتمام بما تقوله الحكومة، لأنه لا يعترف أصلاً بشرعية الحكومة وحقها في اتخاذ القرارات الكبرى". هذا هو السبب في أن القرارات في هذه البلدان تتخذ دائماً بأسلوب القبضة الحديدية، وما لم يتم استخدام هذا الأسلوب فلا قرارات. إن السلطة في تلك البلدان قد أصبحت متشظية للغاية. وما لم يكن هناك مزيد من التسويات والمصالحات داخلها، فسيكون من الصعب علينا أن نتخيل أمكانية حدوث مصالحات بينها وبين غيرها في المنطقة. هذا أيضاً هو السبب الذي دفعني لأن أقول لنفسي إنه بدلاً من عقد المؤتمر في "أنابوليس" فإن هذا المؤتمر كان ينبغي أن يعقد رمزياً في قاعة محكمة "أبوماتوكس" بولاية فرجينيا التي شهدت استسلام الجنرال (فريق أول) "آر. ئي. لي" عام 1865 لليفتنانت جنرال (فريق) "يو. إس. جرانت"، ليضع بذلك نهاية للحرب الأهلية الأميركية، ويعيد توحيد البلاد مجدداً. واقترح أن يكون رسم الدخول لهذا المؤتمر 4 دولارات فقط، وربما يكون الرئيس بوش قد تمكن من الحصول على سعر خاص للمجموعات. توماس فريدمان كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"