لو سألت خليجياً من غير المختصين أين ستُعقد قمة مجلس التعاون الخليجي القادمة وموعدها، فلن تجد منه إلا إجابة واحدة: لا أعرف! طبعاً سكان المدينة التي ستُعقد فيها القمة سيعرفون الإجابة من خلال الازدحام والأمن المشدد والفوضى المرورية والحجوزات كاملة العدد لفنادقهم، وسيعرف ذلك من شاء حظه أن يتابع قنوات التلفزيون الرسمية التي تبُث مراسم الاستقبال والوداع والجلسات الأولى والختامية والبيان المشترك وإعلان مدينة كذا..! أما مجمل الناس فلن يهمهم الأمر، وكان لزاماً أن يهمهم لأن هذه القمم وجلسات عمل اللجان الفرعية يفترض فيها أن ترسل رسائل تطمئن الجميع في بلدان الخليج على غدِهم الاقتصادي التكاملي، وعلى أمنهم السياسي والاجتماعي، وعلى إزالة كل عقبات الاتصال فيما بين شعوبهم.. وإخوتها من معوقات التكامل النقدي والتحفيز الاستثماري البيْني. لكن في المقابل يحق للخليجيين أن يطرحوا أسئلة عريضة على من يتقلدون أمورهم ويُسيّرون أعمالهم: ما الذي جنته شعوب المنطقة الخليجية منذ إنشاء المجلس عام 1981 وحتى الآن؟ ألم تكفِ كل تلك السنون لإزالة حواجز الجوازات والمرور بالغة الدقة بين الدول الخليجية، وتسهيل السفر بين تلك المجتمعات المتشابهة في بيئتها الجغرافية والسكانية؟ لِـمَ كل هذا التأخير في تطبيقات تصاديق الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والتي سبق ووقع عليها القادة؟ لماذا التباين الواضح والكبير في السياسات المالية والكل مشترك في تصدير مادة واحدة ويتعامل مع أسواق الصرف العالمية بنفس الطرق تقريباً؟ ألم تكفِ السنون الطوال لإشهار قاعدة بيانات أمنية خليجية مشتركة تُسهل من خلال تفعيلها -إن حدث- عمليات الانتقال والحركة والشراء والبيع والاستثمار بشكله الواسع، والسماح بممارسة كل الأنشطة الاقتصادية التي يحق لمواطني كل دولة على حدة التمتع بفوائدها أو حتى انتكاساتها؟ ما هي الإجراءات العسكرية والأمنية التحوّطية المشتركة لو حدثت حرب -لا سمح الله- شبه كونية حولهم؟ أسئلة كثيرة لا إجابات لها لدى الشعوب الخليجية، وفي كل مرة يظنون أنهم اقتربوا من الإجابات يسمعون في ختام المؤتمرات إجابات دبلوماسية لا تعني شيئاً، وجرداً لحسابات لا ثِقل لها في ميزان العمل المشترك، مع وعود بمزيد من الدراسات لهذه القضية أو تلك في القمة القادمة المرحّلة! هنا لابد من التذكير والإشارة إلى حقائق ومسلمات لابد من ذكرها: لا يشك أحدٌ في بلدان الخليج في صدق توجه قادتها ورغبتهم في رؤية خليج آمن مشرق سعيد وقوي، ولا أحد يشك أن التحديات التي تواجه منطقتنا الخليجية كبيرة جداً ومن المفترض أن يتناسب مع ضخامة تلك التحديات، التعامل الجدي مع الحقائق على الأرض التي نعيش عليها.. والمهمة اقتصادياً واستراتيجياً للعالم كله. كما أننا ونحن نذكر هذه المسلمات -في رأينا- نذكر أيضاً أن مجلسنا الخليجي رأى النور والمنطقة تعصف بها رياح الحرب الإيرانية/ العراقية قبل أكثر من سبعة وعشرين عاماً، وها هي المنطقة تستعد لأحداث بالغة الخطورة إن صدقت التوقعات والتسريبات الصحفية، وبين تلك الهواجس القديمة والمخاوف الجديدة لم تتغير أندية مبارزة الاستحواذ على هذه المنطقة وإن تغيرت أسماء الإدارات واللاعبين فقط، وفي المقابل لم تتغير طرق دفع تلك التحديات من الجانب الخليجي، بل إن النقيض هو الصحيح، فلا جيش خليجيا سريع الحركة ظاهرا للعيان، إلى حد أن النواة الأولى للقوة الضاربة لبلداننا (درع الجزيرة) أُعيد النظر في استراتيجيتها قبل أشهر وقيل إنها لم تعد قوة محسوسة على الأرض كما السابق. وبما أن الثوابت والقواسم لا ريب فيها، ومعها واجبات تطبيق استراتيجيات سُبل المواجهات الآنية العسكرية، فلم يعد أمام الفرد الخليجي إلا مراجعة أشياء أخرى يفهمها جيداً غير تلك المتفق عليها، وتتعلق تلك الهموم بأمنه الاقتصادي وحركته؛ أشياء كان لابد أن تتحقق بين عواصف الحرب المنصرمة، والأعاصير شبه النووية القادمة. البيئة السياسية والجغرافية والاجتماعية بين دول مجلس التعاون الخليجي من المفترض أن تكون دافعاً للوحدة الاقتصادية والنقدية ونشوء السوق المشتركة، تلك البيئة تربة خصبة للاستثمار بدون عوائق لو أُحسن إدارة شؤونها فمثلاً: أسواق المال والعقار وإنشاء الشركات الاقتصادية والمؤسسات المالية.. إلخ. الواقع يقول إن ما تحقق قليل جداً في هذه المجالات، وإن وعود الاندماج تزحف في مواعيدها إلى الأمام عقوداً، والتنصل من الاتفاقيات التي سبق إبرامها يتم على قدم وساق، والتضارب قائم بين رؤى للاقتصاديين في بلداننا الخليجية جِدّ متباعدة، وأن الفوضى تدب في أسواق العملات المحلية بينها وبين البعض الآخر، وبالتالي مع عملات أوروبا الموحدة العجوز والأخضر المريض، والأهم من ذلك زحف الخطر الاقتصادي الأكبر.. التضخم. أمام قادتنا وقد أنهوا أعمال مؤتمرهم في الدوحة وفي انتظار مؤتمر قادم، فرص سانحة لدفع العمل الخليجي المشترك في كل اتجاه. نحن متأكدون من حرصهم على ألا تندلع النار في حقول النفط الذي يغذي شريان اقتصادنا، كما يغذي الآلة الصناعية في العالم، وهم -بلا شك- منتبهون للمشاكل الأمنية في الجوار، وألا تندفع إلى داخل بلدانهم، ونحن كذلك متأكدون أنهم يأخذون تذمر وتساؤلات شعوبهم حول بطء تنفيذ القرارات الأخرى التي تمس حياة المواطن الخليجي بصفة مباشرة، ولا تثريب ولا انتقاص من العقول التي تدير مجلسنا العتيد إن هي خرجت للجمهور المحلي المنتظر والمرتقب لأخباره أن عقبة اقتصادية أو أمنية تقف حجرة عثرة أمام تطبيق هذه التوصية أو ذاك القرار، وأن متطلبات التفعيل سائرة أو أنها في انتظار قرار سياسي أعلى أو لظروف مختلفة أفضل، وفي حال لم يحدث هذا ستكثر التساؤلات.. وحق لمن يطرحها ذلك! إشارة: كُتب هذا المقال قبل إعلان نتائج (الدوحة) والتي لوحت بتباشير نتائجها الجيدة للجميع، وعلى أمل مزيدٍ من التكامل ينتظر الجميع نتائج قمة (مسقط) القادمة لإعلان نتائج ما تقرر سابقاً، وإضافة المزيد من آليات الدفع نحو النجاحات الكبرى اللاحقة.