عقدت في سيئول، عاصمة كوريا الجنوبية، فعاليات المنتدى الخامس للتعاون الكوري الشرق أوسطي في الفترة من 6 إلى 7 ديسمبر الحالي. الهدف الرئيسي لهذا اللقاء العربي -الكوري هو تعزيز العلاقات والتعاون في كل المجالات بين جمهورية كوريا الجنوبية والوطن العربي. وسنحاول في هذه المقالة استعراض الأسباب والدوافع التي أدت الى تقدم كوريا وتطورها حتى أصبحت في مصاف الدولة المتقدمة اقتصادياً في فترة زمنية قصيرة... كيف استطاعت هذه الدولة الآسيوية، وهي دولة ذات موارد محدودة، تحقيق معجزة اقتصادية في فترة زمنية بدأت منذ ستينيات القرن الماضي. هناك عدة أسباب، لكن السبب الرئيسي لتقدم كوريا وتطورها هو التعليم الذي أولته الدولة الأولوية من أجل بناء الكوادر البشرية القادرة على تحقيق النهضة الاقتصادية. وقد اتخذت اللغة الكورية أداة للنفاذ الى مصادر المعلومات وإقامة مجتمع المعرفة... الدولة فرضت التعليم الإجباري لمدة تسع سنوات؛ من الابتدائية حتى نهاية المتوسط. ويغرس التعليم الكوري في نفوس الطلاب ثلاث قيم رئيسية هي: الصدق والجد في العمل والإبداع. لكن يبقى السؤال لماذا تميزت كوريا، فالعديد من دول العالم الثالث، ومنها دول الخليج العربية، أولت التعليم أهمية خاصة... إذن ما هو الفرق بيننا وبينهم؟ ويعود تميّز التعليم في كوريا الجنوبية إلى حقيقة اهتمام الدولة بالمدرسين في المرحلة الابتدائية، فاختيار المدرسين للتدريس في تلك المدارس، يتم عبر انتقاء أفضل 5% من الخريجين المتفوقين لتدريس المرحلة الابتدائية حتى يكون أساس التعليم قوياً في البداية. فحرص كوريا على المدرسين المتميزين جعلهم متميزين عن غيرهم... ففي سنغافورة، وهي من النمور الآسيوية الجديدة في مجال الاقتصاد، يتم اختيار المدرسين للمرحلة الابتدائية من 30% من الطلبة الأوائل، مما يدل على حرص الدولة الآسيوية واهتمامها بالمراحل الابتدائية للتعليم. أما نحن في دول الخليج العربية، فقد تخلف التعليم لدينا لأننا لا نهتم بالمراحل الابتدائية للطلاب ولا بنوعية المدرسين الذين يقومون بتدريسهم، ففي الدول الغربية يتطلب حصول المدرس في المرحلة الابتدائية على شهادة الماجستير لتدريس هذه المرحلة. أذكر جيداً كيف أن أحد الوزراء الكويتيين للتعليم قبل 30 عاماً أراد أن يجعل مدرسي الابتدائي من الكويتيين، ففتح معهدا للمدرسين يسمح بدخول الطلاب الذين أنهوا المرحلة المتوسطة، وبعد تدريس لمدة عامين يتم تخريجهم لتدريس المدارس الابتدائية، مما أدى في النهاية إلى تردي التعليم في الكويت. لقد حاول المتخصصون في التعليم حصر الطلبة الذين يدخلون كلية التربية على الطلبة المتفوقين فقط؛ مثل ما هو معمول به في قبول طلبة كلية الطب، لكن التدخلات السياسية منعت هذه الفكرة الرائدة في الكويت. ما هي آثار التعليم الجيد على كوريا، وكيف تطورت اعتماداً عليه؟ كوريا كما ذكرنا لا تملك ثروات طبيعية؛ فهي تستورد ما قيمته 256 مليار دولار من المعادن والطاقة، ثم تحولها بالعلم والتكنولوجيا إلى معدات إلكترونية وثلاجات وسيارات وغيرها وتصدرها للخارج بقيمة 288 مليار دولار حتى أصبح متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي حوالى 20 ألف دولار سنوياً. التجربة الكورية تستحق الإشادة منا؛ إذ استطاع هذا البلد أن يتحول إلى دولة صناعية في فترة لا تتعدى الخمسين عاماً بفضل اهتمامه بالتعليم الجيد وتنمية القوى البشرية. هل يا ترى يستفيد عرب الخليج من التجربة الكورية أم يبقون على ما هم عليه من اهتمامهم بالماضي قبل الحاضر والمستقبل.