بدت باهتة الرسالة الصوتيّة الأخيرة التي وجّهها أسامة بن لادن. فالرسالة التي حملتها "قناة الجزيرة" ووُجّهت إلى الأوروبيّين، أثارت من الاهتمام العالميّ، السياسيّ والإعلاميّ، أقلّ مما فعلت أخبار بن لادن ورسائله السابقة جميعاً. طبعاً يمكن تفسير ذلك جزئيّاً بسخافة الرسالة نفسها. فهو فيها يخاطب الأوروبيّين ويدعوهم الى الابتعاد عن واشنطن، في لحظة تعيش خلالها أوروبا لحظة من الحبور باستعادة الوحدة الأطلسيّة بين ضفّتيها. وليس من غير دلالة أن يقترب الموقفان الأميركيّ والأوروبيّ من التماهي حيال السياسة التي ينبغي اتّباعها مع إيران ومؤتمر أنابوليس، أو أن تفوّض واشنطن تسيير السياسات الغربيّة في لبنان إلى باريس. لكن المسألة لا تقف عند سخافة بن لادن ودعوته. فمؤتمر أنابوليس نفسه كان يسرق الأضواء من كلّ شيء آخر يجاوره أو يزامنه. وهذا طبيعيّ في حدث شاركت فيه قرابة خمسين دولة كما طرح على نفسه ثلاث مهمّات متراكبة ومتداخلة: الأولى، التمهيد لإطلاق المسار التفاوضيّ الفلسطينيّ- الإسرائيليّ بعدما بدا أن الأمر برمّته قد آل إلى الخزائن العتيقة. والثانية، التمهيد لإطلاق عمليّة سوريّة- إسرائيليّة لا يزال من السابق لأوانه التكهّن بطبيعتها. مع هذا ظهرت إشارات تدعو إلى التفاؤل كالانفراج النسبيّ في لبنان والكلام الإيجابيّ الصادر عن رئيس الوفد السوريّ إلى أنابوليس، نائب وزير الخارجيّة، فيصل المقداد. وأهمّ من ذلك كله ما شاع عن احتضان روسيا لمسار سوريّ- إسرائيليّ لابدّ، إذا صحّت الرواية، أن يُعلن عنه في أيّة لحظة. والثالثة، قطع شوط بعيد في الحصار السياسيّ لإيران. وهنا قد لا يكون من الافتعال تشبيه أنابوليس، كعمليّة سياسيّة، بالعملية العسكريّة والاستراتيجيّة التي تمثلت في بناء جورج بوش الأب للتحالف الدوليّ العريض عشيّة حرب تحرير الكويت في 1991. بيد أن المؤتمر المذكور، على أهميّته، ليس سوى تعبير عن وجهة جديدة ربما ابتدأت معها نهايات سياسة الممانعة. فقد بات واضحاً أن "المقاومة العراقيّة" شرعت عمليّاتها تتضاءل عدداً ونوعاً، حتى أن محافظة الأنبار لم تشهد، طوال شهر كامل، عمليّة واحدة. وهذا ناهيك عن التدخّل المباشر الذي بدأ السكان المحليّون والعشائر يمارسونه، بالتنسيق مع القوات الأميركيّة، ضدّ "القاعدة" وتفرّعاتها. لكنْ ظهر أيضاً، في المقابل، صوت شيعيّ عراقيّ قويّ يطالب بالحدّ من النفوذ الإيرانيّ في النصف الجنوبيّ من بلاد الرافدين، وهو ما عبّرت عنه خصوصاً تواقيع الـ300 ألف عراقيّ وعراقيّة. كذلك لم يعد سراً أن التباين السوريّ- الإيرانيّ ينحو نحواً متزايداً إلى العلنيّة والتعاظم، خصوصاً أن رسميّين إيرانيّين لم يتردّدوا في توجيه انتقادات ليس من الصعب فكّ رموزها وأحاجيها، كما تظاهر إيرانيّون يشجبون السياسة السوريّة الجديدة ويدينونها من ضمن إدانتهم أنابوليس. صحيح أن دمشق لن تقطع مطلقاً مع طهران قبل أن تضمن الوجهة الجديدة. ولهذا أرسلت وزير خارجيّتها وليد المعلّم، قبل أنابوليس، لطمأنة الإيرانيّين، ثم عادت وأرسلت إلى طهران معاونه فيصل المقداد إلى طهران للغرض نفسه. لكننا قد لا نكون نبالغ إذ نرى في حضور محمود أحمدي نجاد قمّة التعاون الخليجيّ الأخيرة، وهي بمثابة سابقة إيرانيّة، حاجة إلى التقرّب من العرب كانت إيران معفاة منها إبّان التحالف الكامل مع دمشق (لكنه بدا تقرّباً غير موفق، حيث حاول الرئيس الإيرانيّ أن يلتفّ على المواضيع الأساسيّة هروباً منها إلى تنسيق أمنيّ واستثماريّ غامض!). وكان لافتاً في هذا المجال ظهور أكثر من علامة على تشقّق يذرّ قرنه في بيئة القوى الإسلاميّة الراديكاليّة على نطاق عربيّ: ففيما كانت الأنظار تتركّز على ما عُرف بمراجعات "الجهاد" في مصر، انطلاقاً من "وثيقة ترشيد العمل الجهاديّ في مصر والعالم" التي كتبها سيّد إمام شريف، وما استجرّته من ردود وتعليقات، إذا بجماعة "الإخوان" في الأردن تعلن حلّ "مجلس شورى الجماعة"، الأمر الذي رأى فيه بعض المراقبين تمهيداً لاستيلاء المتطرّفين وحدهم على العمل الإسلاميّ السياسيّ في الأردن. غير أن الدلالات السوسيولوجيّة غير المرئيّة دائماً لـ"الاعتدال" و"التطرّف" في الأردن كثيراً ما تتقاطع مع الولاءين الأهليّين الشرق أردنيّ والفلسطينيّ. وكنّا رأينا، قبل شهر واحد، شيئاً من هذا القبيل في فلسطين، حيث شنّت حركة "حماس" في قطاع غزة هجوماً حادّاً على الرئيس محمود عبّاس، فيما اصطفّ قادة "حماس" في الضفة الغربيّة يصلّون وراءه في المسجد! ويمكن للتكهّنات أن تذهب بعيداً فيما خصّ "حزب الله" اللبنانيّ: ذاك أن أيّ تباعد بين دمشق وطهران لابدّ من أن ينعكس، عاجلاً أو آجلاً، على وحدة هذا الحزب الذي سوف ينشطر، والحال هذه، انشطار الوليد بين أمّه وأبيه. فما بين ولاء أيديولوجيّ- مذهبيّ لإيران، معزّز بمساعدات ماليّة وعسكريّة ضخمة، وما بين دور سوريّ هو جسر إيران إلى لبنان، فضلاً عن علاقات جوار ومصالح مع منطقة البقاع الشيعيّة اللبنانيّة، يصعب استبعاد احتمال كهذا. والحقّ أن التنازع على فصائل الرفض الفلسطينيّ لم يكن عديم الدلالة. فإذ ألغت دمشق، قبل أنابوليس، مؤتمراً لهذه الفصائل كان المفروض أن ينعقد فيها، رفضت الفصائل تلك دعوة إيرانيّة لها كي تعقد مؤتمرها في طهران. وربما كنّا، من ثمّ، أمام عودة تدريجيّة إلى العلاقات العربيّة تمارسها سورية على حساب علاقاتها الإيرانيّة، يُستدلّ على هذا في السلوك المصريّ والسعوديّ، لاسيّما زيارة الملك الأردني عبدالله الثاني إلى دمشق، عشية مؤتمر أنابوليس، وما نُقل مؤخّراً عن جهود يبذلها لعقد قمّة خماسيّة تحضرها سوريا إلى جانب مصر والسعوديّة والأردن وفلسطين. كذلك يُستدلّ عليه في عدد مبعثر من الإشارات، في عدادها إطلاق سراح بعض المساجين الأردنيّين في السجون السوريّة "بناء على طلب الملك عبدالله من الرئيس بشّار الأسد" على ما أوردت وسائل الإعلام الأردنيّة والسوريّة، وتوقّع وصول وفد رسميّ فلسطينيّ يضمّ، فيمن يضمّ، أحمد قريع وروحي فتوحي، إلى دمشق. وأهمّ من هذا الإشادات الأميركيّة والعراقيّة بالضبط السوريّ لمناطق الحدود مع العراق بما حدّ، ويحدّ، من تدفّق المتسلّلين الإرهابيّين. فحين يكتب كام سبمسون وجاي سولومون في الصفحة الأولى من "وول ستريت جورنال"، أقرب الصحف الأميركيّة إلى "المحافظين الجدد"، أن "الولايات المتّحدة ربما لطّفت موقف سوريا"، نكون فعلاً أمام أمر جديّ لا يُستهان به. لقد شهدنا ما سمّي التفويض الأميركيّ لفرنسا والضمانات التي قدّمتها باريس لدمشق، وسمعنا عن المكالمتين الهاتفيّتين، في غضون أيّام قليلة، بين الرئيس نيكولا ساركوزي، طالب المخابَرتين، والرئيس بشّار الأسد، وصولاً إلى دعوة وزير الخارجيّة وليد المعلّم للمشاركة في مؤتمر الدول المانحة الذي سينعقد هذا الشهر في باريس، معطوفة على الدبلوماسيّة الهادئة وغير الاستفزازيّة لكوندوليزا رايس قد افتتحت هذا الفصل الجديد، جاز القول إن لبنان وانتخاباته الرئاسيّة المحكّ الأهمّ للتجربة المذكورة التي لا تتكلّل بنجاح كامل إلا في حال انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة يخلف إميل لحّود، من دون أن يثير ذلك إشكالات أمنيّة كبرى. وفي حال صحّة هذا السيناريو الافتراضيّ عن بداية النهاية المحتملة لسياسات الممانعة ولوحدة قواها، نكون خرجنا بعدد من الدروس المهمّة للعرب والأميركيّين والإسرائيليّين سواء بسواء. أما العرب، لاسيّما الموصوفين منهم بـ"الاعتدال"، فلابدّ من أن تتأكّد لهم جدوى المبادرة والتدخّل في الوضع العامّ بدل الانتظار السلبيّ لما تحمله الظروف. وأما واشنطن وتل أبيب فالدرس الأبرز برسمهما أن المشاكل ينبغي أن تُعالج لا أن تُطمس وتُتجاهل كما لو أن شيئاً لم يكن.