تحل هذا الأسبوع الذكرى العاشرة لاتفاقية حظر الألغام، المعروفة باتفاقية "أوتاوا" (Ottawa Treaty)، والناصة على منع استخدام، أو تخزين، أو إنتاج، أو نقل الألغام المضادة للأشخاص، مع ضرورة تدمير ما هو موجود منها حاليا. وتعتبر هذه الاتفاقية أحد أنجح الأمثلة على ما يمكن للتعاون الدولي أن يحققه على صعيد الأمن والسلام العالميين. ففي خلال الأعوام العشرة الماضية، تم توقيع الاتفاقية وإقرارها من قبل 158 دولة، قامت 74 دولة منها بتدمير مخزونها من الألغام المضادة للأشخاص بالكامل، بينما أعلنت 64 دولة أخرى عدم تملكها لأي مخزون من تلك الألغام. وإن كان الهدف النهائي للاتفاقية، والمتمثل في القضاء التام على الألغام الأرضية، لا زال بعيدا عن التحقيق بسبب امتناع سبع وثلاثين دولة، مثل الصين والهند، والولايات المتحدة، وروسيا، عن التوقيع على هذه الاتفاقية. ولذا، وحسب تقرير صدر في مايو عام 2006 ، تم حتى الآن تدمير أربعين مليون لغم فقط، من مجموع 160 مليونا تم الإعلان عنهم سابقا. وهو ما يعني أنه ما تم تدميره حتى الآن، لا يزيد عن ربع ما تم الإعلان عنه، بينما يظل ما لم يتم الإعلان عنه غير معروف بدقة. وتشوه حقول الألغام المضادة للأشخاص سطح الأرض في العديد من دول وقارات العالم، لتقتل من تقتل، وتشوه من تشوه، مما جعل البعض يصف تلك المناطق بحدائق الشيطان (Devil’s Gardens)، بسبب فداحة الثمن الإنساني الذي تدفعه البشرية كل يوم ثمنا لحصادها. تتشعب قضية الألغام المضادة للأشخاص بشكل كبير، مما يصعب استعراض جميع جوانبها في هذه المساحة، ولذا سنقتصر هنا على أثرها الإقليمي على دول وشعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بداية، نجد أن قضية الألغام في المنطقة، هي مزيج مؤسف من التاريخ والجغرافيا، حيث تعتبر منطقتنا من أكثر مناطق العالم دموية على صعيد العمليات العسكرية خلال القرن الماضي. فما بين عامي 1942 و 1945، أدت الحرب العالمية الثانية إلى نشر حقول الألغام في كل من مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، ضمن حلقات الصراع البريطاني الألماني في المنطقة. وبعدها بقليل، ترافقت الحروب العربية الإسرائيلية بداية من عام 1948، ثم 1956، و1967 ، و1973 ، بنشر حقول للألغام، وخصوصا في مصر، وسوريا، والأردن، وفلسطين. ناهيك أيضا على أن معارك الاستقلال، كما في الجزائر ما بين عامي 1954 و 1962 ، أو اليمن ما بين عامي 1962 و 1975، ترافقت هي الأخرى باستخدام واسع للألغام المضادة للأشخاص. في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، ترافقت الصراعات العسكرية في شمال الخليج العربي، متمثلة في الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 ، ثم غزو العراق للكويت عام 1990 ، وحرب تحرير الكويت عام 1991، ثم نهاية بغزو واحتلال العراق عام 2003، باستخدام واسع النطاق للألغام المضادة للأشخاص. ويجب أن نخص بالذكر هنا الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، بداية باجتياح عام 1982 ، ثم حرب صيف عام 2006، وذلك بسبب استخدام القوات الإسرائيلية للقنابل العنقودية في الحرب الأخيرة، والتي تتشابه في آثارها بعيدة المدى بآثار الألغام الأرضية، حيث تظل تقتل وتشوه لفترات طويلة بعد انتهاء النزاع. وربما أهم ما ميز هذه الحرب، أن القوات الإسرائيلية ألقت بالجزء الأكبر من هذه القنابل –والتي تقدر الأمم المتحدة عددها بأكثر من مليون قنبلة- في الساعات الأخيرة من الحرب، وبعد إدراك قادتها العسكريين لقرب التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار. وبعيدا عن التاريخ، يمكن تلخيص الموقف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في النقاط التالية: 1) يقدر عدد الألغام ومخلفات الحروب في المنطقة ما بين 52 مليونا و 65 مليون لغم ومخلف حرب. 2) تنتشر هذه الألغام والمخلفات على مساحة ملايين من الهكتارات، توزع بين عدة دول في المنطقة. 3) تتسبب الألغام الباقية في المنطقة من الصراعات السابقة في أكثر من 600 وفاة سنويا، يقع جزء كبير منها بين الأطفال. وبرغم هذا الوضع المؤسف، نجد أن سبع دول فقط من دول المنطقة قد وقعت على اتفاقية حظر الألغام، وهي الجزائر، والأردن، واليمن، وقطر، والكويت، والعراق. بينما تظل بقية دول المنطقة خارج هذه الاتفاقية، بما في ذلك طبعا إسرائيل وإيران. ومما يفاقم الوضع، عدم وجود آلية رسمية، أو غير رسمية، لتحديد حجم المشكلة على وجه الدقة. وتغيب بشكل واضح فعالية التنسيق بين الجهات الرسمية القائمة على مكافحة الألغام في الدول المتأثرة، ما عدا في اليمن ولبنان؛ وبسبب عدم وجود ميزانيات وطنية، ولو ضئيلة، لمكافحة الألغام، تتميز دول المنطقة بعدم كفاية، أو عدم الوجود التام، لبرامج مكافحة الألغام، مثل التطهير والتوعية ومساعدة الضحايا؛ ونتيجة لضعف التنسيق بين الجهات الرسمية، والمنظمات غير الحكومية –الدولية وغير الدولية- العاملة في مجال مكافحة الألغام، نجد أن مثل هذه المنظمات لا تتواجد في دول المنطقة، على عكس مناطق العالم الأخرى الموبوءة بنفس المشكلة. كل هذه العوامل مجتمعة، تجعل من الألغام المضادة للأشخاص مشكلة مزمنة في المنطقة، لا يتوقع لها أن تختفي في أي وقت قريب. ولذا ستظل شعوب المنطقة تدفع ثمن حدائق الشيطان، في شكل دماء وأشلاء تتناثر كل يوم فوق الرمال.