بعد عودته إلى بلاده –عقب حضوره القمة الخليجية التي عقدت قبل يومين في الدوحة– صرح الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بأن زيارته للدوحة كانت ناجحة وأنها فتحت صفحة جديدة للتعاون في منطقة الخليج؛ وأنها أثبتت مدى التعاون والتضامن بين دول المنطقة. وأشار إلى أن الأرضية لتعزيز التعاون قد تمهدت أكثر من أي وقت مضى وأن اقتراحات إيران البناءة قوبلت بالترحيب. وبغض النظر عن استخدام الرئيس الإيراني لكلمة (الخليج الفارسي) مرتين وهو وسط قادة دول مجلس التعاون العرب! وبغض النظر عن التلميح للتاريخ المشترك والقواسم الدينية والثقافية والجغرافية التي تربط إيران بدول مجلس التعاون! وبغض النظر عن التأكيد على أن إيران كانت دوماً تواقة إلى التآزر والتعاون مع دول المنطقة وخاصة دول الجوار... فإن المجتمع الخليجي كان يتوقع أن يَصدُر من الرئيس الإيراني أكثر من ذلك، وأن يقوم بوضع النقاط فوق الحروف في قضيتين تشغلان الرأي العام الخليجي والعالمي. القضية الأولى: احتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى)؛ فقد كان اللقاء فرصة ثمينة كي يعلن الرئيس الإيراني تأكيداً صريحاً وشفافاً ترحيبه بالدعوات المتكررة من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة للدخول في مفاوضات مباشرة أو عبر الأطراف الدولية، لحل هذا النزاع الذي يعيق أي تطور للعلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون التي دأبت لأكثر من 17 عاماً على التأكيد على حق الإمارات في جزرها المحتلة ودعوة إيران إلى الدخول في مفاوضات سلمية لحل تلك القضية. القضية الثانية: مشكلة البرنامج النووي الإيراني! حيث توقع الرأي العام إعلان الرئيس الإيراني عن وقف أية شبهة تتعلق بالاستخدامات السلمية للمفاعلات النووية الإيرانية، وإعلان التعاون الشفاف مع الهيئات الدولية لإغلاق هذا الملف الذي يقلق المجتمع الدولي، وكذلك جيران إيران. لقد سمعت شعوب الخليج مثل تلك العبارات المنمقة من الزعماء الإيرانيين منذ دهور؛ وقد رحبّ مجلس التعاون في قمة الدوحة عام 1990 برغبة جمهورية إيران الإسلامية في تحسين علاقاتها مع دول مجلس التعاون؛ وأكد على أهمية العمل بجدية وواقعية لحل الخلافات المعلقة بين إيران والدول الأعضاء في المجلس. لكن خلال الفترة منذ عام 1990 وحتى اليوم، صدرت من القيادة الإيرانية العديد من التصريحات غير الودية تجاه دول الخليج، بل إن الردود الإيرانية على الولايات المتحدة كانت تأخذ شكل التهديدات لدول الخليج. المقابلات التي أجراها الرئيس (نجاد) مع الصحافة القطرية نقلت الجانب "المضيء" والجميل في روح العلاقات الخليجية الإيرانية؛ لكن (نجاد) اعتبر موضوع الملف النووي الإيراني قد أُغلق! وأن ما يجري بشأنه "تطبيل إعلامي"! ويجب إلا تؤثر "أدبيات"المناوشات بين إيران والولايات المتحدة على العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون! كما استبشر الإعلاميون بما صرّح به الرئيس (نجاد) إثر لقائه مع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة؛ إذ قال إن العلاقة بين بلاده ودولة الإمارات جيدة ووطيدة للغاية؛ وأن زيارته الأخيرة لدولة الإمارات كانت طيبة وبناءة وقد تجلت في محادثاته مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة. كما شدد الرئيس الإيراني على أن بلاده تدعم وتساند استقلال وسيادة وتطور كافة دول المنطقة؛ وأنها سوف تساعد أي بلد قد يتعرض لهجوم! كل ذلك كلام جميل ووردي. لكن عالم السياسة يحفل بالمساحات الكبيرة من الإيماءات والإشارات التي يمكن تأويلها على أكثر من صعيد! لكن الشعوب تنتظر الأفعال والرجوع إلى واقع الأمور على الأرض. إذ ليس من الممكن الإشارة إلى سيادة الدول وحقها في الاستقلال؛ بينما تقوم إيران باحتلال أراضي الغير، أو بالتهديد بضرب منشآتها عبر الإشارة إلى ضرب المصالح الأميركية في الخليج! كنا نتوقع فعلاً أن يأتي الرئيس (نجاد) بخطاب جديد غير الخطاب الإيراني المعهود! ويعلن قراراً تاريخياً ببدء حوار حول قضية الجزر الإماراتية المحتلة. فهذا الإعلان هو الذي يؤكد مصداقية إيران في "مساندتها استقلال وسيادة وتطور كافة دول المنطقة" كما قال نجاد. بل ويعلن الرئيس الإيراني أن المنطقة لن تكون مسرحاً لحرب جديدة؛ وأن إيران سوف "تجهض"أية محاولة لإشعال فتيل الحرب؛ وأن إيران سوف تواصل تعاونها مع وكالة الطاقة الذرية لكي تقوم الأمم المتحدة بإغلاق الملف النووي الإيراني؛ لا أن تعلن إيران أنها أغلقته من طرف واحد! كما أن دعوة الرئيس (نجاد) خلال قمة الدوحة إلى إلغاء التأشيرات بين دول مجلس التعاون وإيران؛ وحق تملك العقارات وتعزيز حركة الاستثمار؛ كل ذلك لن يتأتى إلا في ظل مناخ من الثقة، وحل المشكلات العالقة بين إيران ودول مجلس التعاون. كما أن الأوضاع الأمنية، لن تجعل تلك "الأماني" قريبة التحقق؛ ناهيك عن أن المواطن الخليجي نفسه مازال يعاني من قوانين التملك أو الاستثمار حتى يوم إعلان قيام السوق الخليجية المشتركة قبل يومين، فما بالكم بملايين المستثمرين الإيرانيين! بل إن دول مجلس التعاون مازالت تفرض تأشيرات على المواطنين العرب؛ فكيف لها أن تزيلها عن المواطنين الإيرانيين؟! نحن نعتقد أن الأمور ليست بتلك البساطة والسهولة –التي بدت عليها في خطاب الرئيس الإيراني عشية قمة مجلس التعاون– لكنها تحتاج إلى عمل شاق ودؤوب، بما في ذلك دراسة الأوضاع الأمنية واستحقاقات ترتيباتها بين الطرفين. ومع ذلك فإننا نعتبر حضور الرئيس الإيراني –كأول بادرة إيرانية من نوعها– في قمة مجلس التعاون والجلوس مع قادة المجلس، إشارة إيجابية قد تحمل رسائل إلى العالم بأن دول المجلس لا ترتضي الإساءة للجارة إيران، أو التلاعب بمستقبل المنطقة عبر مغامرات عسكرية لن تفيد شعوبها. نحن نعتقد أن الأمر يتطلب وضع اتفاقيات واضحة تُشرعِن العلاقات بين إيران ودول المجلس بما يحفظ حقوق الطرفين ولا يفرط في أي منها، ولا يؤدي في المستقبل إلى "استئثار" أي جهة بقرار السلم والحرب في المنطقة. كما أن أية ترتيبات أمنية بالطبع ستكون تحت يد وبصر الولايات المتحدة التي لن تسمح –تحت أي ظرف– باختطاف مجلس التعاون أو "إطباق" شواطئه الشمالية على شواطئه الجنوبية، تعويلاً على الجغرافيا والقوة العسكرية والبشرية الإيرانية! إن قراءة الأوراق المختلطة على الصعيد السياسي تحتاج إلى أكثر من النظارة الإعلامية أو "فلاش" الكاميرا السريع الأُفول! ونأمل أن يتم استثمار حضور الرئيس الإيراني لقمة مجلس التعاون بما يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة، ويُرسي دعائم الثقة المتبادلة بين الطرفين الخليجي والإيراني.