غريبة وعجيبة هذه الأمة المسماة بـ(الإسلامية)! والسبب في ذلك أنها تحتاج رأياً أو فتوى من رجل الدين في كل شأن من شؤون حياتها, حتى لو كان من باب ما يتعارف عليه الناس. فالمسلم "الجهادي" يحتاج لفتوى تنهاه عن الإفساد في الأرض بقتل الناس, من مسلمين وغيرهم، كما يفعل الإرهابيون في العراق مثلاً, ويحتاجون لمراجعات فكرية توقفهم عن قتل الناس، ويحتاجون لرأي زعيم ديني أو زعيم جماعة دينية لـ"يترجم " لهم الآيات القرآنية الناهية عن الفساد في الأرض! هؤلاء المسلمون لديهم دستور وقوانين، ومع ذلك يبحثون عن الفتوى!! بل إنهم بحاجة إلى الفتوى لتنفيذ القوانين!! وهذا من العجب العُجاب في هذه الأمة, التي تسمي نفسها بـ"أمّة" اقرأْ!! والله ما بعد كل هذا من عقل أو رجل رشيد يأوون إليه, وهذا الرجل الرشيد، ليس المفتي أو زعيم الجماعة, بل العقل الإنساني الذي يميّز به الإنسان الحق من الباطل, والخطأ من الصواب. ومن الملاحظ أن الأمم الشرقية من دون بقية أمم الأرض المعمورة قاطبة، سهلة الانقياد للزعيم القائد، جيداً كان أم سيِّئاً. وإذا كان لطف الله بهم كبيراً, قيّض لهم قائداً جيداً, فتنعموا في عهده برغد الحياة. ولكن إذا الله قد قدّر لهم الأذى بفرض قائد أو زعيم فاسد مثل صدام حسين و"ماو تسي تونغ"، أو ستالين مثلاً, فتراهم يتبعونه دون هداية من عقل, بل ويندبون حظهم إذا ما تم زواله, ولنا في تباكي عتاة القوميين العروبيين من البعثيين في العالم العربي، على إعدام الطاغية صدام حسين خير مثال على ذلك, إذ لا يزالون يبكونه. ولا ينكر أهمية القيادة إلا فاقد عقل, لكن التمييز بين القيادة الجيدة عن القيادة السيئة أمر مطلوب، بل وواجب على الشعوب, خاصة مفكريها ومثقفيها، إلا الشعوب العربية التي حرمها الله من نعمة استخدام العقل, حيث لا تزال تتقبل وضع ذاتها تحت وصاية الحاكم أو وصاية رجل الدين. بل أصبحوا في حالة إدمان على طلب الوصاية كالأطفال الذين لا يستطيعون ترك آبائهم والرحيل لبناء حياتهم في هذه الدنيا الواسعة. والسؤال: لماذا يسعى الإنسان المسلم طائعاً راغباً لوضع نفسه تحت الوصاية الدينية أو السياسية أو الفكرية؟ أعتقد أن الإجابة ببساطة تكمن في العجز الكامن في ذواتنا, وفي حبنا للكسل العقلي, حين نسعى للبحث عمن يفكر عنا, ويعلمنا كيف نتعامل مع المشكلات المختلفة, لكن لم يحدث أبداً أن لجأنا إلى طلب وصاية العقل!! هذه النعمة الكبرى التي ميّز بها الله سبحانه الكائن الإنساني عن بقية الكائنات المخلوقة. ولعل العلة وراء ذلك كله، أننا نعيش حياتنا دون اختيار حُر, واضعين أنفسنا وباختيارنا في سجن أبدي، سجاننا الحاكم الذي ينفق علينا، باعتقادنا, أو رجل الدين الذي نؤمن أنه لا خلاص لنا في الآخرة إلا على يديه, أو سياسيونا الذين نؤمن بقدرتهم على خرق القوانين لصالحنا. وفي ظل مثل هذا الاسترخاء العقلي, يحلو للإنسان وضع نفسه تحت الوصاية الدينية أو السياسية أو الفكرية, لأنها تعفيه من المساءلة العقلية, وتتيح له المجال لوضع اللوم على غيره, وليس عبثاً قول العامة في الأمثال الشعبية, "حطها في بطن عالم، واطلع منها -يقصدون المشكلة- سالم). بالله عليكم، كيف يمكن بناء حاضر أو مستقبل في ظل مثل هذه الوصاية الطفولية الاختيارية؟