جاء تصريح جامعة الدول العربية في الأيام الأخيرة، حول تصاعد نسبة الأمية الأبجدية في العالم العربي، ليحدث هزة في ضمير فئات كثيرة من خبراء التربية والمثقفين المصريين. وورد ذلك حين أعلن الأمين العام أن عدد الأميين في العالم العربي ضمن الفئة العُمرية من خمسة عشر عاماً فأكثر، وصل في أثناء السنة الماضية إلى 71 (واحد وسبعين مليوناً). وأميّة هؤلاء تعني أنهم أميون في مرحلة ما قبل إجادة القراءة والكتابة، أي أنهم يحتاجون ارتياد دورات لمحو الأمية، ومن شأن هذا أن يعني أن ربع سكان العالم العربي يدخلون في هذه الدائرة. ومن طرف آخر، جاءت إحصائيات منذ حين (انظر صحيفة "الكفاح العربي")، لتعلن أن حصة كلّ ثلاثمائة ألف عربي من الكتب كتابٌ واحد، في حين أن بلداً أوروبياً صغيراً مثل بلجيكا بتسعة ملايين من السكان، يقرأ أكثر كثيراً مِمّا يقرأ العرب مجتمعين ومنفردين. تلك معطيات تتضمن طابعاً كارثياً، في الوقت الذي تمثل فيه عاراً شائناً في حساب "المؤسسات" العربية التعليمية والتربوية. ففي هذه الحال، يبرز سؤال ينضح بالدُّونية والأسى والاستفزاز، ذلك هو: هل رأى أصحاب القرار في تلك المؤسسات أن مهمتهم قامت على تكريس أميّةٍ مستدامة في أوساط العرب باسم برامج التكوين التعليمي، دون أن نقول (التثقيفي)؟ ولن نستخدم منهجية سوسيولوجيا الصغائر (Micrososiology)، كي نبحث عن جواب لذلك السؤال، لأن هذه المنهجية ترى في الحدث حالة تكفي ذاتها، دون إخضاعها -على الأقل على سبيل التجريب- لمنهجيات أو طرائق أخرى تؤكد على تاريخية الحدث، أو على اجتماعيته، أو على ترابط عناصره بعناصر البنية المجتمعية القائمة، أو على هذه جميعاً. إن البحث المعمق في أخطبوط الأمية الأبجدية و(الثقافية) ضمن الحقل العربي، وفي كل بلد عربي على انفراد، يضع أيدينا، بقوة، على السياسات التعليمية والتربوية، التي مارستها المجموعات المجتمعية المختلفة الأخرى ثانياً، وفي مقدمتها منظومة الحكم السياسي، ومنظومة الإنتاج المادي والعلاقات الاجتماعية المادية، والمنظومة الحقوقية القضائية، وغيره، على امتداد عقود تقارب الأربعة، وخصوصاً بدءاً من "الطفرة النفطية" مع بداية السبعينات من القرن المنصرم. ولن يكون بمقدورنا أن نضبط آليات العوامل، التي قادت وما تزال، إلى ما نصطلح عليه بـ"الحطام التعليمي والتربوي" وما يلحق به وينتهي إليه في مجمل حقول المجتمعات العربية. ولكن لعلنا نومئ إلى بعض ذلك في هذا السياق، وربما تقف في مقدمة ذلك أولاً بأول الجهود الحثيثة والهائلة، التي بُذلت باتجاه إغلاق المجتمعات العربية، وتجفيف مصادر ومنابع الحريات الديمقراطية، بما فيها حريات التعبير الثقافي والسياسي، يداً بيد مع سحب السياسة منها وتعميم السيكولوجيا الأمنية وبضمنها نشر ثقافة الخوف والرعب. ومن طرف ثالث، تتسع عملية إقصاء المواطنين عن كفايتهم المادية، وإغلاق رهانات الإصلاح والتحديث والتطوير برؤية عقلانية تنويرية وترشيدية، باسم مهمات الدفاع عن الأقطار المهددة من الخارج. إن تعاظم وتائر الأمية الأبجدية والثقافية، مع تعاظم الحياة الاستهلاكية الجشعة وما يناقضها من افتقاد الحرية والكفاية المادية والكرامة، إن ذلك جميعاً إنما هو فضيحة سوداء في وجه من يسعى من العرب إلى تحويل تخلّفهم إلى تخليف أبدي.