لو قُدر للحسن بن هاني المعروف بأبي نواس، أن يسمع ويشاهد الفتاوى التي تقال عبر التليفزيون والراديو ووسائل الاتصال الأخرى في هذه الأيام.. هل كان بمقدوره أن يقول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة هذه الأبيات: تعاظمني ذنـبي فلمـا قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما ولولاك لم يغوَ بإبليس عـابدُ وكيف وقد أغوى صفيك آدمـــا وهل كان ونفس الحال يُسمع ويُشاهد أن يقول الحجاج وهو على فراش الموت تلك الكلمات العظيمة. "اللهم اغفر لي فإنهم يظنون أنك لا تفعل!!" من خلال الراديو والتلفاز سمعتُ وشاهدت في الأيام الماضية مقابلات ممن يدعون أن لهم نصيباً في العلم الشرعي، وهالني ما سمعت! بعضهم أفتى بأن أبناء الزاني والزانية لا يدخلون الجنة بحجة أن الجنات لا يدخلها إلا العمل الصالح، وهذا الإنسان ذكراً كان أو أنثى ليس إلا نتاج العمل الخبيث؛ لذا فهو من أهل النار.. لا ريب! ونسي هذا الـمُتقوِّل على الله والمعتقد بأنه حارس باب الجنة، نسي قوله تعالى "ولا تزرُ وازرة وِزر أخرى". وآخر من أصحاب الفتاوى الفضائية "قرر أن من يدخلون النار سيظلون فيها للأبد وألا نهاية للجحيم وعذابهم مهما طال؛ هذا الأمر يقرره الله تعالى وحده وهو الذي ذكر أن الداخلين للعذاب سيظلون فيه أحقاباً، ولابد للأحقاب من نهاية، وعفو ربك فوق هذا وذاك. آخرون ممن استمعنا لندوتهم كانوا يتساءلون: هل والد ووالدة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من الكافرين أم من المؤمنين؟! وكما يعرف الجميع فالاثنان ماتا قبل أن يُبعث رسولنا الكريم بسنوات طوال! وهل تغيب عن ذاكرتنا فتاوى مثل إرضاع الكبير في العمل وجواز شرب بول الرسول صلى الله عليه وسلم والتطبب به؟ ...ولم تمضِ أسابيع حتى أفتى أحد الكبار بأن من يموت غريقاً وهو ذاهبٌ -عبر البحار- للبحث عن لقمة العيش في أوروبا ليس بشهيد، وكان من الأحرى أن تكون الفتوى موجهة بالتغليظ لمن لا يوفر لقمة العيش لهؤلاء (الغلابة) في بلادهم، الأمر الذي أجبرهم على المغامرة وركوب المخاطر. عدم جواز بيع الأعضاء الآدمية لمن يرغبون بها ويدفعون ثمنها صحيح، ولكن ألم يكن من الأولى التساؤل عبر البحوث الإسلامية والإنسانية لماذا يبيع الآدمي قطعة من كبده أو إحدى كليتيه؟ ...إنه الجوع والفقر وتفاوت الأرزاق المفتعل من قِبل بعض البشر غلاظ القلوب، ولمثل هكذا عينة من الناس يوجه الزجر والترويع بالخروج من رحمة الله وليس لغيرهم. نسي أصحاب الفتاوى الفضائية بلا شك قصة أحد التابعين -رحمهم الله أجمعين- عندما كان في مجلس فتواه وأتاه شخص ليسأل إن كان دم البعوضة حال قتلها يُبطل طهارة الملبس؟ لم يلتفت هذا التابعي الجليل لمثل هذا السؤال الهزيل، بل تساءل هو إن كان طالب الفُتيا هو نفس الشخص الذي شارك في قتل (الحسين بن علي) رضي الله عنهما؟ تلميذ تلاميذ رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- كان يُشير إلى أن الواجب على هذا السافك للدماء الطاهرة طلب العفو والمغفرة من الله، والمشورة عن كيفية البراءة مما فُعل، بدلاً من سؤاله عن البعوضة ونجاستها! أما البؤس كله فنجده في برامج تفسير أحلام العرب والمسلمين، فهذا يقطع بأن الجائع -حقيقةً- قبل النوم وشاهد فاكهة وما يشتهيه من لحم طير، بأنه -وكتفسير للحلم- سيكون منصوراً في حياته وصاحب جاه! ولم يسأل الشيخ العالِم نفسه إن كان هذا الحلم انعكاساً لما استقر في اللاوعي لهذا الإنسان المحروم؟ أم أن نبوغ المفسر وثاقبية العرفان لديه دلاه على نقائض أضغاث أحلام المسكين الذي نام جائعاً مرتعشاً يائساً؟! نعرف أن أمتنا في كرب عظيم، وتحيطها المخاطر، وليست لديها إجابات على أسئلة كثيرة حول معاشها وغدِها ومعارفها وحريتها، وتجهل هذه الأمة كيفية مواجهة العدو بعد تصنيفه إنه جارٌ يريد السلام؟! ونعرف أن أزمات الكثيرين ممن يعيشون على أرضنا مردها إلى تعاقب الأحداث وغموضها وعنفها، وأن ما اصطلح عليه من تسمية (الفتن) أصبحت تعيش معنا صباحاً ومساءً، فيُمسي الإنسان كافراً ويصبح مؤمناً، وينام واثقاً في من ملك السماوات والأرض وينهض وقد كفر بكل شيء. نعرف كل هذا، ونعرف أن في أزمنة ضعف الأمم يتكاثر الدجالون والسحرة والثرثارون وموزعو الأماني والأحلام الخُلب، والمهددون بقدوم الدجال وخيله وجنده.. وأنهم على بُعد فراسخ من بيوتنا؛ كل ذلك نعرفه، لكن الذي لا نريد أن نعرفه -حتى ولو كان حقيقةً- هذا الهيجان وتلك النوبات من إسفاف الفتاوى وتحول الأمر إلى (بزنس)، تتعاظم من خلاله أرصدة شركات الاتصالات والقنوات الفضائية ومطلقي ذات الفتاوى، وحتى وإن اعتقدنا أن المفتين مُحتسِـبون ورزقهم على الله، فما هكذا تُدار لهفة الأمة إلى معرفة حقائق دينها وما يحدث على أرض واقعها. استغلال رغبة الناس في التفقه في الدين ولهفتهم لمعرفة إجابات حول غموض ما يدور حولهم، لا تُجيز هذا الاستيلاء على أموالهم والبقية الباقية من عقول أمة (اقرأ) وأصحاب الفتوحات -السابقة- في علوم الطب والفلك والمنطق والفلسفة، الأمة التي أصبحت بفعل فاعل رجل العالم المريض الذي تضحك من جهله أممٌ (كانت) تنظر بخوف إلى ساعة الرشيد الرملية وإلى تماثيل أسود الحمراء وهي تُخرج من أفواهها مياها أظنها قد جفت بجفاف عقول أحفاد أحفاد صانعيها!