هل الثقافة بهرجة اجتماعية أم احتياج مطلوب؟! هل مجتمعاتنا العربية اليوم تتمتع بوعي ثقافي حقيقي؟! هل ما يُشاع هنا وهناك بأن العصر الحالي هو عصر ازدهار الثقافة العربية، له دلائل دامغة تُشير إليه؟! هل ظاهرة المنتديات الثقافية على الإنترنت التي جذبت الكثير من الشباب، تُعتبر برهاناً قاطعاً على اهتمامهم بتغذية عقولهم وحرصهم على النهل من نبع الثقافات المختلفة؟! إن الضجيج واللغط اللذين يُثاران في أروقة المجتمعات العربية عند صدور كتاب جريء في مضمونه، أو عند بث مقابلة في التلفاز مرّر الضيف من خلالها أفكاراً تنويرية، أو عند نشر صحيفة ما موضوعاً خطيراً في مضمونه، لا يعني مطلقاً أن المجتمعات العربية قد ارتقت ووصلت إلى درجة عالية من الوعي الفكري تُفرّق فيها بين الحابل والنابل!! حتّى وإن اندفعت الحشود إلى الشوارع منددة في مظاهرات بهذا أو ذاك مُطالبة بتوقيع أقصى العقوبة على أصحابها، ولتكون رسالة قاسية لكل من تسوّل له نفسه الدخول في دائرة الثالوث المحرّم المتمثل في الدين والجنس والسياسة!! الحقيقة التي لا تخفى على أحد أن هذه الردود الانفعالية العنيفة إنما تدل على جمود العقل العربي ورفضه المستمر للتجديد وتمسكه بالعيش في مخلفات الماضي بعيداً عن رياح التغيير والتجديد!! من جانب آخر هناك هواجس حقيقية تكمن في أعماق أغلبية الأفراد داخل مجتمعاتنا. الأمن الذي تقلّص مع تزايد قوة الجماعات المتطرفة، وتدني المستوى المعيشي لكثير من الأسر كنتيجة حتمية لتفشي الفساد بأنواعه، وارتفاع نسب البطالة، وتزايد أعداد الفقراء، وانعدام حريات التعبير، وانتفاء مبادئ العدالة الاجتماعية!! لفت انتباهي مقال جميل يحمل عنوان "الثقافة بعيداً عن الانتخابات" للشاعر "موسى حوامدة" يتحسر فيه بمرارة على أكثر من 150 مليون دينار تم صرفها على حملات المرشحين لمجلس النواب في الأردن دون أن يرفع أي من المرشحين شعاراً لحملته الانتخابية في دعم الثقافة، مثل تمويل مكتبة وطنية جديدة أو وعد بإنشاء مركز ثقافي أو إعلان عن تأسيس دار نشر أو مركز للموسيقى أو الفنون، ضارباً المثل بالمؤسسات الأوروبية التي تُخصص جزءاً من دخلها في دعم الأنشطة الثقافية. متسائلاً في مقاله إن كان هذا التجاهل من قبل المرشحين يعني أن أغلبية الناس لا تهتم بالثقافة والفنون؟! من وجهة نظري ما يجري عادة في سباق الانتخابات العربية المحمومة لا يُشكّل إهانة مبطنة للثقافة!! كونها لم تزل بمجتمعاتنا العربية، وفي عُرف الكثيرين، ترفا زائدا عن الحاجة!! والمرشحون يبحثون عن الشعارات التي تستقطب حولهم الطبقة الكادحة التي تُشكّل نسباً عالية في أوطاننا!! فالناس في دنيا اليوم الزاخرة بالضغوطات والمستلزمات الحياتية ومع الغلاء المعيشي، غدوا ينامون ويستيقظون على أنّات أوجاعهم ويحلمون بمعجزة تنتشلهم من بؤر متطلباتهم اليومية التي لا تنتهي!! يهرعون تلقائياً خلف كل من يرسم لهم طريقاً مرسوماً بالورود. يصوتون لمن يعِدهم بتخليصهم من آفة البطالة التي التهمت طموحات أبنائهم، ولمن يعدهم بتوفير تعليم جيد لأطفالهم ومستقبل آمن لأسرهم. بصراحة شديدة شعار بـ"الخبز وحده يحيا الإنسان" هو الشعار الذي يرفعه المرشح ليضمن به نجاحه حيثُ إن الثقافة لا تُؤكّل عيشاً في مجتمعات اعتادت على الصراخ طوال الوقت، معلنة خيباتها المتواصلة في حكوماتها!! في المجتمعات الغربية تنصهر الثقافة في حياة الفرد وتُصبح جزءاً من روتين يومه، فنجد الكل يهتم بتغذية فكره كاهتمامه بتغذية جسده. لذا فإن الثقافة هي تربية في الأساس لابد من زرعها في بنية مجتمعاتنا بدءاً من البيت ومروراً بالمدرسة والمعهد والكلية، وانتهاء بترويجها في الساحات العامة، وإلا فإنها لن تُصبح في المستقبل شعارات قوية يرفعها الناخبون ليكسبوا بها مقاعد برلمانية!! نعم.. إن الثقافة والفنون الراقية صورة فعلية تُعبّر عن المجتمعات المتحضرة، ولكن هموم مجتمعاتنا كثيرة وارتشاف جرعة من كأس الثقافة لن يروي ظمأ أناس تائهين في صحراء احتياجاتهم!! للأسف ورقة الثقافة ما زالت عملة خاسرة في مجتمعاتنا العربية لا يمكن أن يُخاطر أي مرشح بموقعه من أجل عيونها وإلا اتهمه الناس بالأنانية وقصر النظر وأنه لا يُفكر لأبعد من موقع قدميه!! لكن يوم تُصبح الثقافة رغيفاً يوميّاً يتقاسمه الناس في طعامهم وشرابهم، لحظتها سيؤمنون بأهميتها في حياتهم وفي تغيير أنماطهم السلوكية والحياتية، وتغدو مع مرور الوقت شعاراً للكثير من المرشحين في بلداننا العربية. الحياة جميلة حين تنتشر فيها حدائق الثقافة وزهور الفنون الراقية، لكنها بالتأكيد ستكون أحلى بكثير حين ينام الناس في بيوتهم قريري العين لا يُفكرون في حمولة الغد المظلم التي أحنت ظهورهم وأدمت كواحلهم!!