تحت عنوان "لسنا وحدنا المنافقين" نشرت "وجهات نظر" يوم الخميس الماضي مقالاً للكاتب الأميركي "نيكولاس دي كريستوف" لفت خلاله الانتباه إلى أن العرب الذين ينتهجون سياسات قمعية ضد بعضهم بعضاً يمارسون معايير مزدوجة عندما ينتقدون إسرائيل ويوجهون إليها اللوم في الوقت الذي تمنح فيه تل أبيب مواطنيها العرب حقوقهم السياسية. لذا يتعين على العرب، حسب "كريستوف" التخلي عن هذا الأسلوب قبل أن يتهموا الولايات المتحدة والغرب بتبني معايير مزدوجة ضدهم. الكاتب أشاد بصورة غير مباشرة بأرييل شارون لأنه يمنح المواطنين العرب في إسرائيل حقوقاً سياسية ومدنية قد لا يتمتعون بها في البلدان العربية وذلك عندما قال "إن إرئيل شارون هو الوحيد في الشرق الأوسط الذي يمنح مواطنيه العرب أكبر قدر من الحقوق الديمقراطية" لكن الكاتب تجاهل أو تناسى عن عمد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي هو الوحيد في الشرق الأوسط أيضاً الذي يقوم باحتلال أراض عربية وفلسطينية في القرن الحادي والعشرين الذي من المفترض أن تنتهي فيه كافة أشكال الاحتلال. ويبدو أن "كريستوف" أُصيب هو أيضاً بمرض "المعايير المزدوجة" لأن حصول المواطنين العرب على حقوقهم السياسية أو تمتعهم بقسط وافر من الديمقراطية في إسرائيل ليس منحة من شارون بل إنه يأتي ضمن المنظومة السياسية التي تنتهجها أية حكومة إسرائيلية سيما وأن تل أبيب تدعي أنها بلد ديمقراطي، لذا فحصول عرب اسرائيل على بعض حقوقهم السياسية ليس منحة من شارون بل إجراء طبيعي وليس استثناء أو منحة. كما أن الكاتب لا يحق له استخدام أية تجاوزات عربية في مسألة الديمقراطية كذريعة لمنع العرب من انتقاد شارون وممارساته القمعية ضد الفلسطينيين. ويبدو أن الكاتب أغفل حقيقة مفادها أن الالتزام بالديمقراطية يبقى في التحليل الأخير مسألة داخلية لا يحق لأحد التدخل فيها، لكن الاحتلال واغتصاب الأراضي جريمة يعاقب عليها القانون الدولي وذلك وفق ميثاق الأمم المتحدة. وإذا كان الكاتب يهدف من وراء تحليله إلى مطالبة العرب باحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان قبل أن ينتقدوا شارون الذي يراه "ديمقراطياً" تجاه شعبه، فليطالب أولاً بنهاية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية حتى لا يقع في تناقض مع نفسه لأنه من الصعب أن يسكت العرب على سياسات إسرائيل القمعية و احتلالها للضفة والقطاع والجولان ومزارع شبعا فقط لأن الدولة العبرية، حسب تحليل "كريستوف"، "تمنح مواطنيها العرب أكبر قدر من الديمقراطية".
عمرو محمود - القاهرة