يبدو أن التجمع الوطني الديمقراطي الوعاء الأكبر للقوى السياسية والمنظمات المعارضة لنظام الحكم في السودان قد بدأ الآن يستعيد حيويته ونشاطه وحضوره في ساحة العمل السياسي بعد فترة ركود استمرت لبضعة شهور. اتضح هذا إثر الاجتماع الأخير للهيئة القيادية لهذا التنظيم، الذي عقد في أسمرة بين يوم السادس ويوم التاسع عشر من هذا الشهر وشارك فيه الدكتور جون قرنق والسيد محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع إضافة إلى كل قادة الفصائل التي تنضوي تحت لواء ذلك التنظيم.
إن أبرز وأهم ما جرى التداول حوله والوصول إلى اتفاق، قضيتان: الأولى هي علاقة الحركة الشعبية وقائدها جون قرنق بالتجمع الوطني الديمقراطي والالتزام بمواثيقه، أي ألا يكون اتفاقه الذي يجري إبرامه مع الحكومة على حساب تلك العلاقة وذلك الالتزام الذي تجذر عبر أكثر من عشر سنوات في عمل المعارضة. وقد حسم ذلك الأمر وجدد العقيد جون قرنق التزامه نحو التجمع الذي يضم غالبية القوى السياسية الشمالية. ولتأكيد ذلك التزم السيد قرنق بإثارة ضرورة إشراك التجمع الوطني الديمقراطي في المراحل المتبقية من المفاوضات وترتيبات المرحلة الانتقالية. أما القضية الأخرى التي كانت على رأس أجندة اجتماع أسمرة الأخير فهي النظر في الاتفاق الذي أبرمه رئيس التجمع السيد الميرغني مع السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية في جدة قبل بضعة أسابيع. إن قادة الفصائل يرحبون من حيث المبدأ بلقاء الميرغني بالمسؤول السوداني ذلك لأنه على الأقل يعني اعتراف الحكومة بالتجمع وهو ما لم يكن متوفراً من قبل. ولكن هناك ملاحظات واعتراضات على بعض بنود الاتفاق لأنها لم تكن أمراً اتفق عليه من قبل، ومن ذلك الموافقة على قيام نظام رئاسي في السودان في حين أن التجمع لا يرى ذلك. ثم إن اتفاق جدة جاء فيه أن التجمع يوافق على كل ما تم الاتفاق عليه في (ماشاكوس) وما سيتم لاحقاً وذلك أمر لم يقره التجمع كما أن الإشارة إلى وضع الأجهزة الأمنية تعارضه كل فصائل التجمع التي ترى أنه ينبغي أن تحل هذه الأجهزة ويعاد تكوينها لتكون أجهزة قومية بحق وليس كما هو الحال الآن أجهزة خالصة الولاء لنظام الحكم القائم وللحزب السياسي الممسك بزمام السلطة.
هذه هي أهم القضايا التي طرحت وتم التوصل حولها إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف وهو ما يجدد شرايين الحياة مرة أخرى في هذه المجموعة التي تمثل أغلبية القوى النشطة في الشمال. إنه وعاء يضم الأحزاب والنقابات (الشرعية) التي حلت بالأمر وممثلي القوات المسلحة التي أبعدها انقلاب 1989 والشخصيات الوطنية. إنه في واقع الأمر صيغة جديدة في التجربة السودانية، صيغة نبعت من جملة التناقضات اللازمة للممارسة السياسية في السودان منذ الاستقلال (الحلقة الشريرة - التناقضات المرتبطة بالممارسة الحزبية والبرلمانية - ارتباط السياسة بالطائفة والقبيلة - المخاطر الناجمة عن تهميش قوى مراكز الإنتاج الحديث وكذلك تهميش قوى الأطراف).
ولهذه الأسباب كلها مجتمعة ولأن هذا التجمع هو أرقى صيغة توصلت إليها القوى السياسية في شمال السودان للتحالف مع أقوى وأوسع حركة تنطق باسم الجنوب وهي الحركة الشعبية لتحرير السودان، لهذا مجتمعاً فإن تحرك التجمع الوطني الديمقراطي واستعادته لحيويته في هذه المرحلة وتمهيداً للتطورات المقبلة سيكون أمراً ترحب به كل القوى التي تنشد الخير للسودان وتسعى لاستقراره وبناء ديمقراطية مستدامة لا تعصف بها الانقلابات.