في عام 1960 استدعت وزارة الخارجية الأميركية أبراهام هيرمان السفير الإسرائيلي في واشنطن لكي تبلغه أن البناء الضخم الذي يجري بناؤه في "ديمونة" ليس مصنعاً للنسيج كما تدعي إسرائيل بل هو مفاعل ذري قد يلد القوة النووية الخامسة. وفور تسرب الخبر إلى وسائل الإعلام حدثت ضجة عالمية على المستوى السياسي والإعلامي مما اضطر بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل إلى أن يقف أمام الكنيست الإسرائيلي ويعترف قائلاً: "إن إسرائيل فعلاً أقامت مفاعلاً ذرياً شبيهاً بالمفاعل الذي أقيم في الهند لكن هذا المفاعل ليس لإنتاج قنبلة ذرية بل هو للأغراض السلمية...". وهكذا ظلت إسرائيل تضلل المجتمع الدولي على مدى 40 سنة وتعمل في اتجاهين، الاتجاه الأول: العمل بسرية تامة لتطوير سلاحها النووي بالاتفاق مع بعض الدول وبعض شركات السوق السوداء. الاتجاه الثاني: تجنيد كل طاقاتها لإجهاض أي مشروع نووي قد يتكون في المنطقة العربية. وفي هذا المسار قام "الموساد" باغتيال العديد من علماء الذرة العرب كان آخرهم عالم الذرة المصري يحي المشد. وفي عام 1981 قامت الطائرات الإسرائيلية بتدمير المفاعل النووي العراقي، لكن المفاجأة الحقيقية التي أذهلت العالم حدثت في عام 1986 عندما كشف مردخاي فانونو الفني السابق في مفاعل ديمونة النووي لصحيفة "صنداي تايمز" البريطانية حجم السلاح النووي الذي تملكه إسرائيل، حيث تبين أنها تملك 200 رأس نووي، مما جعل المراقبين الدوليين يصنفون إسرائيل على أنها سادس أكبر بلد نووي في العالم. وتصور العالم أن هذه المفاجأة سوف تزعج أميركا كثيراً وتجعل ردها يكون أعنف وأقوى مما كان عليه في عام 1960، إلا أن المدهش حقاً أن الموقف الأميركي كان مختلفاً تماماً حيث لم تبدِ الإدارة الأميركية أي اهتمام بالموضوع، وتدريجياً تحول الموقف الأميركي إلى هيئة دفاع عن المشروع النووي الإسرائيلي، وكلما جاء ذكر "القنبلة النووية الإسرائيلية" يخرج أحد المسؤولين في الإدارة الأميركية ليدافع عن حق إسرائيل في امتلاك هذا السلاح وكان آخرهم رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الذي قال: "إن إسرائيل لها متطلبات أمنية قد تجعلها في حاجة لامتلاك السلاح النووي".
السؤال المحير الآن: إذا كانت أميركا ترى أن من حق إسرائيل امتلاك السلاح النووي فلماذا لا يكون من حق الدول الأخرى امتلاك السلاح النووي؟ لماذا تظل الدول العربية والإسلامية محرومة من حماية أمنها القومي بقوة نووية حتى لا تكون "لقمة سائغة" في يد إسرائيل أو من يريد استعمارها أو يضمر لها شراً من الأعداء؟ لماذا عندما ترى دولة إسلامية مثل باكستان أن وضعها الأمني ومخاوفها الأمنية الناتجة من أطماع الجار (الهند) وتعاظم قوته أنها في حاجة إلى قوة نووية تحميها، تثير عليها كل هذه الضجة والهيجان والضغوط والهجوم من قبل وسائل الإعلام الغربية وتزور الحقائق والوثائق والتهم الجاهزة وتترك الجار الذي يوجه "قنبلته النووية" مباشرة لهم، على رغم أن الأميركيين يدركون حقيقة أن اللجوء الباكستاني إلى السلاح النووي كان تعويضاً عن الضعف العسكري أمام الجار؟ لماذا هذه المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين؟ إن أكبر خطأ هو أن نستسلم للهذيان الغربي أو ما يقوله أعداء الأمة الإسلامية إن الدول الإسلامية غير مؤهلة لامتلاك هذا السلاح النووي لأنها أقل عقلانية من الغرب في وضع مسار صحيح لهذا السلاح. وهذه أخطر نظرية عنصرية مغلوطة يمارسها الغرب ضدنا، وأقرب مثال على ذلك أميركا حيث إنها لم تنتهج مسلكاً عقلانياً في حربها على اليابان، فقد ألقت قنبلتها النووية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي ومحت غالبية معالمهما وقتلت 200 ألف ياباني في الحال، وهذه تعد أكبر جريمة مارستها دولة تملك السلاح النووي... أما موضوع التسريبات النووية والسوق السوداء فهي دعاية مكشوفة وموضوع قديم اشتركت فيه كل الدول النووية، وأميركا كانت تمارس هذا الدور منذ الحرب العالمية الثانية عندما أخذت كل الأسرار النووية والعلماء من ألمانيا لتصنع بها قنبلتها النووية، وهي الآن تمارس تسريب أسرار أسلحة الدمار الشامل لمن تريد من الدول وكان العراق واحدة منها، وهذا السوق كان مفتوحاً منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وقد حصلت أميركا وإسرائيل والدول الأوروبية على نصيب الأسد منه.
أنا أتصور أن المسألة أكبر من موضوع شبكة التسريبات النووية وأخطر من ذلك، الموضوع بصراحة هو "اغتيال العقل النووي المسلم" وإجهاض أية فكرة قد تكون لهذه الأمة قوة ذاتية تحمي بها نفسها وعقيدتها الإسلامية.