استقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي وكبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي علي لاريجاني من منصبه الذي كان يشغله بدءاً من العام 2005 ، حيث تولى رئاسة المجلس القومي بقرار من الرئيس الإيراني أحمدي نجاد. ويذكر أن لاريجاني كان أحد منافسي نجاد في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها إيران خلال ذلك العام. وكان العديد من المحللين السياسيين قد نظروا إلى تعيينه في منصب رئيس المجلس القومي بدلاً من حسن روحاني، والذي طالما وصف بالاعتدال كمؤشر على أن الحكومة الإيرانية ستنتهج موقفاً متشدداً بشأن الملف النووي. فهل تعتبر استقالة لاريحاني مؤشرا على وجود خلافات في أهم ملف إيراني، وهل هي مؤشر على وجود تيارين يديران الملف النووي الإيراني تصاعدت خلافاتهما حتى وصلت لاستقالة لاريجاني؟ بعيداً عن التخمينات وقريباً من الواقع السياسي أتت الاستقالة بعد أيام من زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران وإعلان لاريجاني عن تقديم بوتين مقترحات جديدة بشأن الملف النووي، في الوقت الذي حذر فيه الرئيس الاميركي جورج بوش من "حرب عالمية ثالثة" إذا ا ما حصلت إيران على سلاح نووي، قائلاً "على قادة العالم منع إيران من حيازة السلاح النووي إذا رغبوا في تفادي" تلك الحرب. وقد أعلن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية غلام حسين إلهام السبت الماضي أن الاستقالة كانت "لأسباب شخصية" موضحاً أن الاستقالة "لا تعني علامة على تغيير في السياسات الإيرانية". التطورات المتلاحقة واستقالة كبير المفاوضين الإيرانيين تجرنا للتساؤل من يملك القرار في الملف النووي الإيراني؟ وهل شهدت السياسة الإيرانية في تعاطيها مع الملف النووي انعطافات حادة في مسيرتها من الإنكار وحتى الاعتراف؟ وبصيغة أخرى هل كان لسيطرة التيار المتشدد على مقاليد السلطة في إيران دور بارز في تطورات الملف وصولاً للتصعيد الدولي الأخير؟ وما هو الحد الفاصل بين الاعتدال والتطرف في التعاطي الإيراني مع الملف النووي؟ كان لتطورات الملف النووي الإيراني انعكاسات داخلية وخارجية فعلى المستوى الداخلي، ينظر للنووي الإيراني كمصلحة قومية وكخيار استراتيجي يغذي الروح القومية الفارسية، فأي لهجة اعتدال في التعاطي مع الملف النووي لا تعني إلا الانتحار السياسي والخروج من اللعبة السياسية وهو خيار لن ينتهجه أكثر السياسيين اعتدالاً خاصة وأن الانتخابات التشريعية على الأبواب (مارس 2008)، تعقبها الانتخابات الرئاسية عام 2009. ولم يكن يُنظر لكبير المفاوضين الإيرانيين "لاريجاني" على أنه من ضمن حمائم النظام، وقد شغل عدة مناصب مهمة على الساحة السياسية والثقافية في إيران، وكان معروفاً بقربه من مرشد الجمهورية الإيرانية، وقد أدار مفاوضات غير منتهية مع منسق السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي خافير سولانا محاولاً تجنب المواجهة بين إيران والدول الغربية الكبرى حول الملف النووي الإيراني، في لعبة تفاوضية تعمل وفق وتيرتي التهدئة والابتزاز وفي الوقت ذاته كسب الوقت للمضي في المشروع النووي، وتجدر الإشارة هنا إلى حقيقة قدرة إيران على كسب الوقت لدعم مشروعها، وهي حقيقة تدعمها الأرقام المعلنة، فعدد أجهزة الطرد المركزي التي تملكها إيران عند بدء المفاوضات مع "الترويكا" الأوروبية كان 164 جهازاً للطرد المركزي، وعند نهاية 2004 كان لدى إيران 500 جهاز تعمل بأقصى طاقتها، وعندما تولى "لاريجاني" منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي عام 2005، تمكنت إيران من امتلاك ألف جهاز، والآن في عام 2007 تُشغّل إيران ثلاثة آلاف جهاز بأقصى طاقتها. فرغم أن تكتيكات المفاوضات والتصريحات قد تظهر نوعاً من اختلاف الرؤى نحو استراتيجية التفاوض خاصة في ظل التشدد الدولي في التعاطي مع الملف النووي، وقد أشار عدد من المحللين إلى أن الرئيس الإيراني كان يقلص من خيارات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي وكبير المفاوضين "لاريجاني" بإطلاقه لتصريحات نارية تسبق أي زيارة تفاوضية خارجية كان يقوم بها بخصوص الملف النووي الإيراني، في الوقت الذي أتقنت فيه إيران استثمار المفاوضات لكسب الوقت وتحصيل أكبر قدر من المكاسب استناداً إلى اللعب على تناقض مصالح الدول الكبرى، أوروبا وأميركا وروسيا والصين، وهو تكنيك أثبتت إيران نجاحه وبشدة خدمة للبرنامج النووي الإيراني، فلم تبطئ المفاوضات ولا التجميد المؤقت والمشروط لأنشطتها النووية؛ من مسيرتها النووية وصولاً لمرحلة امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة. على المستوى الخارجي، يعتبر الملف النووي الإيراني في بؤرة الاهتمامات الدولية وملفاً حاضراً في الدبلوماسية الدوليةـ، وذلك من خلال زيارات رؤساء الدول والمسؤولين، وحتى التصريحات والبيانات الختامية. لقد انتقل النووي الإيراني إلى بؤرة الحدث في المنطقة، وقد ارتفعت لهجة التشدد في التعاطي مع النووي الإيراني، وكانت زيارة الرئيس الروسي الثلاثاء الماضي إلى إيران زيارة تاريخية هي الأولى لرئيس روسي، فكان النووي العنوان الأبرز لمحادثات، أطلق بوتين خلالها تحذيراً مبطناً من شن هجوم عسكري على إيران في محاولة منه لتحجيم النفوذ الأميركي في منطقة جوار جغرافي لروسيا، تعارض موسكو وبشدة المساعي الأميركية القائمة لتعزيز نفوذها فيها. ونُقل عن الرئيس الروسي قوله إن "من مصلحة بلاده أن تكون إيران قوية ومؤثرة في الساحة الدولية"، وبذلك تستمر طهران في اللعب على التناقضات وتنازع الهيمنة بين القوى الكبرى. مرحلة مابعد "لاريجاني" ومن خلال متابعة تطورات الملف النووي الإيراني والتكتيكات الإيرانية في إدارتها لمفاوضاتها عبر السنوات الماضية، لن تشكل قطيعة في المسألة النووية الإيرانية، إذ لا يوجد في الحقيقة صراع بين معتدلين ومتطرفين حول النووي الإيراني، بل هو اختلاف في التكتيكات والأولويات؛ فتعظيم المصالح الوطنية واستثمار التناقضات الدولية واللعب على الوقت هي المحاور التي ترتكز عليها استراتيجية التفاوض الإيرانية بغض النظر عن الوجوه والأطياف المحركة للملف النووي، وهي بالختام مسرحية سياسية للإيحاء بوجود انقسامات داخلية ولتحويل المسألة إلى تنازعات داخلية بين تيارات معتدلة وتيارات محافظة هي للمدقق فيها تيار واحد في مسرحية اسمها النووي الإيراني.