يسود اعتقاد شائع بين الكثير من أطباء النساء، وبين الأزواج المصابين بالعقم أيضاً، بأن استخدام أسلوب الوخز بالإبر الصينية، يزيد من فرص نجاح عمليات التلقيح خارج الرحم، والمعروفة بأطفال الأنابيب، والمستخدمة في علاج كثير من حالات العقم. هذا الاعتقاد دعمته العديد من الدراسات العلمية، والتي زعم بعضها إمكانية مضاعفة نسبة نجاح الحمل باستخدام الإبر الصينية، وهي نسبة الزيادة الهائلة لمن يسعى للحصول على ذرية. ويفسر العلماء هذه العلاقة، على أنها ربما تكون نتيجة تأثير الإبر الصينية على الجهاز العصبي، وهو التأثير الذي يؤدي بدوره لتهيئة بطانة الرحم بشكل أفضل لاستقبال الجنين عند زراعته في بطن الأم. هذه كانت الحكمة الطبية السائدة حتى الأسبوع الماضي، عندما بدأت الشكوك تحيط بهذا الاعتقاد، بعد نشر دراسة في دورية طبية مرموقة هي (Archives of Internal Medicine). هذه الدراسة التي أجراها علماء مركز العلوم الصحية بجامعة أوكلاهوما بالولايات المتحدة (University of Oklahoma Health Sciences Centre)، تمت على سبع وتسعين امرأة قام العلماء بتقسيمهن لمجموعتين، قبل خضوعهن للعلاج باستخدام أسلوب التلقيح الخارجي. المجموعة الأولى لم تخضع لأي نوع من العلاج بالوخز بالإبر الصينية، بينما تلقت المجموعة الثانية خمسا وعشرين دقيقة من العلاج، قبل وبعد نقل الجنين من أنبوبة الاختبار إلى رحم الأم. وكانت المفاجأة أن النساء اللواتي خضعن للعلاج بالوخز، انخفض لديهن نجاح الحمل بنسبة 26%. ففي المجموعة التي لم تخضع للعلاج بالوخز، كانت نسبة نجاح الحمل 70% تقريباً، مقارنة مع 44% فقط بين المجموعة التي تلقت العلاج بالوخز قبل وبعد نقل الجنين. وعلى هذا الأساس، لا ينصح علماء مركز العلوم الصحية بجامعة أوكلاهوما النساء اللواتي يخططن لاستخدام التلقيح الخارجي، باستخدام الوخز بالإبر الصينية قبل أو بعد نقل الجنين. ويفسر العلماء هذه النتيجة، بأنها ربما تكون نتيجة التوتر الناتج عن العلاج بالإبر الصينية قبل وبعد زراعة الجنين مباشرة. والمعروف أن التوتر النفسي، يؤثر سلباً على جميع وظائف الجسم، وعلى عملياته الفسيولوجية والبيولوجية. ولذا، لا يستبعد أن يكون له تأثيره السالب أيضاً على بطانة الرحم، ومن ثم على فرص الجنين المنقول في استكمال مشوار حياته. ويدرك علماء أوكلاهوما أن مثل هذا المنطق في التفكير، هو نوع من السباحة عكس تيار الحكمة الطبية السائدة، وهو ما دفعهم للتأكيد على ضرورة إجراء مزيد من الدراسات حول الموضوع، للتأكيد بشكل قاطع على تأثير الوخز بالإبر على فرص واحتمالات نجاح التلقيح الخارجي. وتعيد هذه الدراسة تسليط الضوء مرة أخرى على قضية فعالية الوخز بالإبر الصينية، وإذا ما كان يمثل علاجاً طبياً معترفاً به، أم أنه نوع من الوهم والشعوذة. هذه القضية، رغم أن المداولات والمناقشات تدور حولها منذ عقود، إلا أنها لم تحسم بعد. وهو ما يتضح من موقف اثنتين من أكثر الجهات الطبية احتراماً حول العالم. الجهة الأولى هي المعهد القومي للصحة (National Institute of Health)، وهو جهة علمية حكومية، يقع مقرها في ولاية مريلاند الأميركية. ففي عام 1997 نشر المعهد ما يعرف "بوثيقة اتفاق على الآراء"، خلصت إلى "وجود عدد من الأدلة، تؤكد جميعها قيمة الوخز بالإبر في العلاج، وتدعم تمديد نطاق استخداماته في الطب الحديث، وتشجع على التوسع في دراسة قيمته التطبيقية والفسيولوجية". وتستطرد وثيقة المعهد القومي لتؤكد على أن "المعلومات والبيانات التي تدعم الوخز بالإبر، هي على نفس المستوى والصلاحية اللذين تتمتع بهما المعلومات والبيانات الأخرى المعتمد عليها في أساليب العلاج المتبعة حالياً في الطب الحديث". أما الجهة الثانية فهي المجلس القومي لمكافحة الغش الطبي (The National Council Against Health Fraud)، وهو منظمة صحية تطوعية وغير ربحية. ويتلخص موقف المجلس، من خلال النقاط الآتية: 1) الوخز بالإبر لا يشكل أسلوباً علاجياً موثقاً. 2) نظرية وممارسات الوخز بالإبر تعتمد على مفاهيم بدائية وخيالية بالنسبة للصحة والمرض، ولا يوجد ما يربط تلك المفاهيم بالحقائق العلمية. 3) لم تظهر الأبحاث في هذا المجال خلال العقدين الماضيين أية فائدة تذكر للوخز بالإبر في علاج أي مرض. 4) ما يشعر به بعض المرضى من تخفيف لحدة آلامهم وتحسن بعض الأعراض، في الغالب هي نتيجة عوامل نفسية. هذا التعارض بين الجهات العلمية الطبية، لا يسبب الحيرة فقط بين الأطباء، بل يلقي بظلاله الثقيلة أيضاً على المرضى، خصوصاً عندما يتعلق الموضوع بقضية مهمة مثل علاج العقم. فمعظم هؤلاء الأزواج، يعانون نفسياً لسنوات طويلة من جراء الحرمان من الذرية، وينفق بعضهم الغالي والرخيص للحصول على جلسات من التلقيح الخارجي، آملين في رؤية ابتسامة أطفالهم يوماً ما. هذه الضغوط النفسية لا بد وأنها ستزداد الآن، بعد نشر الدراسة الأخيرة والتي أشرنا إليها في مستهل المقال، والتي تزعم أن ما ينفقه هؤلاء الآباء من أموال على الوخز بالإبر الصينية، وما يتعرضون له من آلام أثناء جلسات العلاج، لا تزيد من فرص حصولهم على أبناء، بل على العكس تقلل من هذه الفرص. مثل هذا الوضع، يفرض على الأطباء وعلى المراكز العلمية، بذل مزيد من الجهد، للوصول إلى نتيجة قاطعة تريح بال الأزواج وترحمهم من المعاناة غير الضرورية.