لك أن تتخيل هذا: أن يتعاون حاكم "جمهوري" لإحدى الولايات الكبرى الرائدة في فتح الآفاق الجديدة، مع أعضاء الجهاز التشريعي لولايته من كلا الحزبين، بغية إصدار تشريع مزلزل ورائد، يطالب الشركات والمؤسسات الخاصة وغيرها من الجهات الاستثمارية بتحقيق أهداف صارمة صديقة للبيئة والخضرة. فهل يا ترى يكون هذا الحاكم، "أرنولد شواريزنيجر"، حاكم ولاية كاليفورنيا للعام الحالي 2007؟ ربما ... ولكن ليس مستبعداً أن يكون هذا الحاكم المقصود، جورج دبليو بوش، حاكم ولاية تكساس في عام 1999. وكان قانون معايير الطاقة الخضراء المتجددة، الذي صادقت عليه ولاية تكساس في ذلك العام، قد طالب تجار تجزئة الطاقة في الولاية بإنتاج 5 آلاف ميجاوات من الكهرباء المستخرجة من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2015. وقد وفر ذلك التشريع حافزاً قوياً لشركات الطاقة بالولاية بما يدفعها إلى المزيد من الاستثمار في موارد الطاقة البديلة المتجددة، إلى جانب فرضه العقوبات الصارمة على الشركات التي تفشل في تطبيق نصوصه. وبكل المقاييس فقد دفع ذلك التشريع استثمارات الولاية في مصادر الطاقة البديلة هذه دفعة كبيرة للغاية، لا سيما في حقول طاقة الرياح. وبالنتيجة فها هي ولاية تكساس تقود أميركا كلها اليوم في مجال توليد طاقة الرياح. وفي وسع الابتكار التكنولوجي أن يسهم في التوفيق ما بين حاجة النمو الاقتصادي من جهة وخفض انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري. غير أن مثل هذا الابتكار لا يصبح ممكناً إلا عندما تبادر الحكومات بإرساء تشريعات صارمة وملزمة، وليس عندما تمارس الشركات الخاصة استثماراتها بالكيفية التي تحددها هي وتشاءها. الآن وقد فرغنا من سيرة مبادرة ولاية تكساس الرائدة تلك في مجال الطاقة الخضراء، فإنه يشكل علينا جداً فهم تمنّع الرئيس بوش اليوم كل هذا التمنّع عن خفض الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهو الذي كان قائداً لركب الخضرة يوم أن كان حاكماً لتكساس! ففي عام 2001 منعته معارضته القوية للتشريعات الدولية الخضراء، مخافة أن تلحق أذى بالنمو الاقتصادي لبلاده، من انضمام أميركا لبروتوكولات معاهدة "كيوتو". وكما هو معلوم، فإن هذه البروتوكولات تقضي بمساهمة الدول الغنية بالذات في خفض الإجمالي العالمي لانبعاث غازات الدفيئة (الغازات المسببة للاحتباس الحراري) إلى متوسط يقدر بنحو 5.2 % بحلول عام 2012 قياساً إلى معدلاتها لعام 1990. لكن وفي مؤتمر بيئي عقد بدعوة من بوش في العاصمة الأميركية واشنطن يوم الثامن والعشرين من سبتمبر المنصرم، واصل بوش معارضته للتشريعات الدولية هذه بقوله:"ستضطلع كل دولة من الدول بوضع استراتيجياتها الخاصة بها في خفض انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري". وعلى أية حال، فإن من المتوقع أن تكون السنوات الثلاث القادمة، حاسمة للغاية في تقرير مصير مناخ كوكبنا الذي يتعرض إلى مخاطر متعاظمة تتهدده، بينما يتوقع لمعاهدة كيوتو للتغير المناخي نفسها أن تنتهي مدة صلاحيتها في عام 2012. وفي هذه المرة يتعين على الولايات المتحدة أن تسهم في جولة المفاوضات القادمة بنية حسنة وأن تعلن التزامها بأي تشريعات دولية شأنها في ذلك شأن بقية الدول. وكانت شعوب العالم وحكوماته قد نظرت بعيون الدهشة والاستهجان لسجل أميركا في مجال التفاوض حول نصوص معاهدة وبروتوكولات كيوتو، خاصة بعد حصولها على جملة من التنازلات في القضايا التي تشددت في تمسكها بها، ثم ما أن تحقق لها ما أرادت حتى قررت الخروج منها كلية. وتجدر الإشارة إلى أن أميركا وأستراليا هما القوتان الدوليتان الوحيدتان اللتان لا تزالا خارج معاهدة كيوتو. وفي اعتقادي الشخصي أن هناك ثلاثة أسباب جوهرية تتطلب المشاركة الصادقة من قبل الولايات المتحدة في جولة المفاوضات المقبلة هذه. أولها أن معدل انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري المرتبطة بظاهرة التغير المناخي، قد بلغ حداً منذراً بالخطر، بما لا يمكن قياسه هذه المرة بتلك الفترة التي جرى فيها التفاوض على معاهدة كيوتو في عقد التسعينيات. وثانيها أن ما سيتم التوصل إليه والاتفاق عليه دولياً بشأن حماية المناخ العالمي، لا بد من أن يكون أكثر صرامة وإلزاماً إلى جانب طول أمده مقارنة بمعاهدة "كيوتو". وعلى رغم عدم خلو معاهدة "كيوتو" من العيوب والثغرات، فإنها كانت محاولة جيدة في الاستجابة الدولية الأولى من نوعها لمشكلة التغير المناخي. وهذا ما يطالب العالم –بما فيه الولايات المتحدة الأميركية- بتحسين أدائه في التصدي لهذا الخطر المحدق بالبشرية جمعاء. أما السبب الثالث والأخير، فيتلخص في أن الولايات المتحدة ظلت وعلى امتداد عدة عقود، الدولة الأوفر نصيباً من انبعاثات الغازات السامة المسببة للتغير المناخي والاحتباس الحراري. غير أن الصين قطعت شوطاً بعيداً في إقصاء أميركا عن تلك المرتبة العالمية، خاصة مع ما نرى من تلازم ملحوظ بين النمو الاقتصادي المذهل للصين، والتنامي المستمر لحجم انبعاثاتها من الغازات المسببة للاحتباس الحراري والملوثة للبيئة والمسببة للمشكلة. ومع أن أي ترتيبات تشريعية دولية في مرحلة ما بعد معاهدة "كيوتو"، تتطلب فرض سقف محدد على انبعاثات الصين من هذه الغازات، إلا أن المرجح أن ترفض بكين فرض أي سقف عليها، ما لم تعامل الولايات المتحدة بالمثل. وبهذا نصل أخيراً للسؤال: كم يكلف العالم خفض انبعاثاته من الغازات المسببة للاحتباس الحراري؟ والإجابة أن غاز ثاني أكسيد الكربون يعتبر الأكثر أهمية بين هذه الغازات جميعاً، وأن حجم انبعاثات العالم منه يعادل ما يقل عن 30 مليار طن مكعب بقليل سنوياً. وهذا ما يلزم جميع دول العالم بالتعاون والتكاتف من أجل إجراء خفض هائل في انبعاثات هذا الغاز بالذات. فهل تفعل أميركا هذه المرة؟ هيلينا كوبان كاتبة ومحللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"