تشهد دول الخليج العربية طفرة اقتصادية لم تشهد مثلها من قبل، بسبب ارتفاع أسعار النفط وزيادة الفوائض المالية. التباين بين دول الخليج في كيفية التعامل مع هذه الفوائض يختلف من دولة إلى أخرى حسب إدراك ووعي القيادة السياسية في كل بلد، رغم حقيقة أن جميع القادة متفقون بأن الاعتماد الكلي على النفط هو وضع غير صحي، لكن كيفية معالجة هذه الإشكالية تختلف من دولة إلى أخرى. فمعظم دول الخليج سعت إلى تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاديات حيوية متينة بعيدة عن مفهوم الدولة الريعية، إلا أن هناك تفاوتاً في كيفية استعمال هذه الفوائض. قطر مثلاً استثمرت أموالها في التعليم باستقطاب أفضل الجامعات والكليات والمعاهد في الغرب إليها، لتطوير التعليم وتأسيس نظام تعليمي جديد... وفي دولة الإمارات تتنافس إمارتا أبوظبي ودبي في تحديث التعليم والخدمات الصحية وتطوير المناهج والاستثمار في العنصر البشري، كما اهتمت الإمارات بالثقافة باستقطابها أشهر المتاحف الغربية لفتح فروع لديها. تجربة البحرين وعمان في مجال تنويع الدخل وتخفيف الاعتماد على النفط، حققت إنجازات لا يستهان بها رغم قلة الموارد المالية، فالبحرين أصبحت مركزاً مالياً إقليمياً خصوصاً في مجال البنوك الإسلامية، كما تحاول التوسع في المجال السياحي. أما عمان فحققت هي كذلك إنجازات في مجال السياحة والحفاظ على البيئة وتقليص الاعتماد على النفط. فماذا عن السعودية والكويت؟ هما كذلك أبدى قادتهما رغبات جادة في تحقيق الانفتاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، وقد حققت السعودية إنجازات في مجال الصناعة والمدن الاقتصادية التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، كما تم تأسيس جهاز جديد لتسهيل عملية الاستثمارات الأجنبية في السعودية. أما الكويت، فهناك رغبات جادة أبدتها القيادة السياسية، وعلى رأسها سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، لتحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري متميز وتنويع مصادر الدخل فيها. المراقب السياسي، يلاحظ بأن هناك تفاوتاً كبيراً في سرعة وإنجاز الإصلاحات الاقتصادية، فرغم اهتمام كل القادة بالإصلاح والتغيير وتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، فالحقيقة هي أن بعض بلدان الخليج قد حققت قفزات وإنجازات رائدة أفضل من بقية الدول الأخرى. التساؤل: لماذا، وما هي العوامل والأسباب التي تجعل بعض الدول تحقق إنجازات أفضل من غيرها؟ قد يقول قائل إن عامل السن بين القيادات هو من أهم العوامل، فالدول التي يحكمها قادة شباب يملكون رؤية وقرارات حاسمة في الإنجاز، تملك حوافز إضافية مساعدة على تنفيذ القرارات السياسية والاقتصادية أسرع من غيرها. العامل الثاني، هو التجربة التاريخية لكل بلد؛ فالبلاد الساحلية التي لعبت الطبقة التجارية تاريخياً دوراً فعالاً في تنمية الاقتصاد وازدهار التجارة فيها، فرصتها في التنوع والتغير أفضل من البلدان الصحراوية. ثالثاً، العوامل الاجتماعية والثقافية لكل بلد عنصر مهم في تعزيز التجربة التنموية وقبول التغير. فبعض دول الخليج شعوبها أكثر انفتاحاً وثقافة وتحضراً من الشعوب الأخرى، لذلك تتقبل التغير والتنوع أكثر من البلدان المغلقة والتي تطغى عليها الحياة الصحراوية القاسية. رابعاً، التجربة العامة في المشاركة السياسية، وهي قد ساعدت بعض البلدان في تعزيز المشاركة والاستقرار السياسي، لكن البرلمان أو مجلس الأمة قد يكون عنصراً يؤخر الإصلاحات؛ فالتجربة الكويتية في هذا المجال متميزة، فالكويت لديها قيادة سياسية ترغب في التغيير وشعب منفتح ومتعلم، لكن هذا الشعب اختار عناصر قبلية ودينية لإدارة السلطة التشريعية... هذا لا يعني بأن الديمقراطية تعيق التنمية، بل هناك مؤشرات في البحرين والكويت تؤكد أن تيارات الإسلام السياسي ترفض الانفتاح الاقتصادي والسياسي على الغرب. هناك رغبات سياسية للتغيير لدى قادة الخليج، إلا أنه رغم كل شيء، هناك معوقات وعراقيل اجتماعية وثقافية وسياسية وبيروقراطية... تؤخر وتؤجل آلية اتخاذ القرار في بعض البلدان الخليجية.