انعقد في بيروت الأسبوع المنصرم "المؤتمر الدولي حول العالم الإسلامي وأوروبا" دعت إليه أطراف عربية وغربية تحت شعار كبير هو "من الحوار إلى التفاهم". وقد شارك فيه جمع من المفكرين والباحثين والأكاديميين، إضافة إلى جمهور من المستمعين يكاد يكون قد عبّر عن معظم إن لم يكن عن كل أطياف الفكر الديني والسياسي في الفكر العربي الراهن. واتضح منذ الجلسات الأولى أن هنالك إجماعاً على أمرين اثنين، يقوم أولهما على أهمية هذه المسألة على صعيد العلاقات الدولية بدرجة متصاعدة ظهرت، خصوصاً، في أثناء الحرب الأميركية على العراق، كما تظهر في الصراع الدامي الدائر في فلسطين بين الشعب الفلسطيني والكيان الاستيطاني. أما الأمر الثاني فقد وضع المؤتمرون أيديهم عليه متمثلاً في إهمال المسألة المذكورة وعدم إعطائها أهمية كافية من قبل أطراف متعددة ضمن الإسلاميين. فأحد هذه الأطراف -وقد ظهر صوته في المؤتمر- يرى أن المشكلة تكمن في أوساط الأوروبيين، الذين "لم ينتبهوا" إلى أن "كل وسائل ومقتضيات الحوار" موجودة في النص القرآني. وبالتالي، على أولئك أن يقتربوا من الإسلام، لأنهم سيجدون فيه غاياتهم. وبكلمة، ظهر ذلك بصيغة الدعوة إلى "أسلمة الحوار"، بدلاً من الدعوة إلى التأسيس الجماعي له. بل لقد ظهر الأمر الثاني من خلال ما قدمه بعض الإسلاميين المقيمين في الغرب الأوروبي الأميركي بصيغة التشكيك والتأنيب والاتهام للغرب، هكذا دونما تمييز بين تياراته وتناقضاته وصراعاته وأنساقه المهيمنة والمهيْمَن عليها. وفي هذا وذاك، أميط اللثام عن علاقة طريفة وخطيرة تقع بين هذا التيار الإسلامي، الذي قد يصبّ في "الأصولية"، وبين العولمة. فكلاهما يستفرد الحقيقة، حين يعلن أنه وحده يجسدها وأن "الآخر" خارج عن "الدائرة"، دائرة الحقيقة، أولاً، وخارج عليها ثانياً. فالأولى -أي الأصولية- تتحدث عن معادلة تقوم على"المؤمن والكافر"، في حين تتحدث الثانية عن معادلة "المسالم والإرهابي"، لتصل كلتاهما إلى أن "الحقيقة" في حوزة "المؤمن" أو "المسالم". هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فإن الطرف الثاني من المعادلتين كلتيهما المعرّف بأنه خارج دائرة الحقيقة، يعتبر هنا، كذلك، خارجاً على الحقيقة، أي مضاداً لها، ويستحق -من ثم- إعلان الحرب عليه، بنحوٍ من الأنحاء.
هكذا تبلور الموقف في إطار الظاهرتين المذكورتين: فهما تقولان بالاختلاف بين "الأنا" و"الآخر" من موقع امتلاك الحقيقة، كما تقودان هذا الاختلاف إلى التضاد والصراع، أي إلى "الإدانة" باسم العولمة، وإلى "التكفير" باسم الأصولية. وقد كان هذا الطرح للمسألة ذا أهمية خاصة بالنسبة لمعظم المشاركين في المؤتمر. إذ إنهم عاشوا ذلك عبر ما قدمه بعض المشاركين. ولهذا، ظهرت ردود فعل معاكسة يعلن أصحابها أن بداية المؤتمر ينبغي أن تنطلق من إقرار غير مشروط بـ"الآخر"، كائناً من كان زماناً ومكاناً. وكان لبعض المشاركين الغربيين (من فرنسا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا) دور في توجيه المؤتمر تلك الوجهة، ومنحه صيغة من التوهج الديمقراطي.
وقد كان لصاحب هذه المقالة نصيب في التركيز على ثلاث مسائل تتصل بموضوع المؤتمر. أما المسألة الأولى فتبلورت في الإشارة إلى أن المداخلات والمناقشات والأوراق، التي قُدمت آنئذ، خلت من ورقة يجري العمل فيها على التأسيس لمنظومة الحوار المفاهيمية والقيمية، التي يركز فيها خصوصاً على مفهوم الحوار نفسه وعلى قيمته وعلى شروطه. وفي هذا السياق، برز تأكيد على أن الحوار مشروط ببعض النواظم، من مثل الإقرار بالتعددية وبالخصوصية، ومن مثل الانطلاق من الاحترام المتبادل، وقبل هذا وذاك من الانطلاق من معرفة موضوعية عميقة بالآخر، تحديداً من حيث المصالح والبنى والخصوصيات الثقافية والحضارية والاجتماعية ومراكز القوى الراهنة في العالم ومن الإرادة في الحوار فيه حول مصائر كبرى بينهما. وبرزت المسألة الثانية باتجاه الإقرار بأن القيام بحوار "حقيقي" بين الإسلام وأوروبا أمر شائك معقد، ومن ثم يستلزم استنباط آليات جديدة، تجعل من ذلك حالة ممكنة. وأخيراً، كان التأكيد على المسألة الثالثة في ضوء الإشارة إلى أن التضامن العملي الفعال من موقع كلٍ من الطرفين تجاه الآخر من شأنه أن يُزيل الكثير من الالتباسات العالقة بينهما، ويفتح الطريق أمام مزيد من الفهم المشترك، كما حدث في نطاق الثلاثة ملايين متظاهر غربي ضد الحرب على العراق. لقد كان المؤتمر بداية ربما للقاءات قادمة أكثر عمقاً وإثماراً.