في غضون شهر تقريبا، سيقوم الناخبون الروس، فيما سيبدو وكأنه تعزيز مقبول للديمقراطية الروسية، باختيار رئيسهم التالي. ولكن، تحت السطح الخارجي للعبة السياسية للانتخابات- وليس بعيدا جدا عن ذلك السطح- تكمن دلائل مزعجة تشير إلى أن دعائم الديمقراطية الروسية قد بدأت في التداعي.
من بين المعايير التي يتم استخدامها كأساس للحكم على صحة الديمقراطية، ذلك الخاص بمصير المنشقين. في هذا الجانب لا تبشر روسيا بأي خير.. خصوصا وأن مضايقة الصحفيين والاعتداء عليهم.. قد غدت من الأمور الروتينية فيها. ليس هذا فحسب بل جرى قتل صحفيين، ونجا آخرون من الموت بأعجوبة. فالكاتبة " إيلينا تريجبوفا".. مؤلفة الكتاب الذي حقق أفضل أرقام المبيعات، والذي عرض صورة مقربة ودون رتوش للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نجت من الموت بمعجزة، بعد أن تم وضع قنبلة خارج مسكنها. و" إيفان ريبكين" وهو من كبار المنتقدين لبوتين، ومرشح للرئاسة، اختفى بشكل غامض لمدة ستة أيام، عاد بعدها للسطح بشكل أكثر غموضا يوم الثلاثاء الماضي، مدعيا أنه قد جرى اختطافه من قبل مجهولين.
والسؤال هنا هو: هل كانت حادثة ريبكين طريقة دعائية فجة للانتخابات من جانبه، أم أنها كانت شيئا أكثر بشاعة من ذلك؟ إن التفسير الأخير -أي أنها كانت شيئا أكثر بشاعة من ذلك- يقوم على حقيقة أن ريبكين مرتبط بـ"بوريس بيريزوفسكي"، وهو رجل من النخبة الروسية، يعتبر من كبار المنتقدين لسياسات بوتين، منفي حاليا خارج البلاد.
وعلى رغم أن ريبكين لا يشكل أي خطورة على فرص انتخاب الرئيس بوتين الذي يحظى بشعبية طاغية، ويتحكم في أجهزة الإعلام الرسمية.. إلا أن الرئيس الروسي كان قد دأب بشكل منتظم على مطاردة النخبة. فبالإضافة إلى بيريزوفسكي، هناك حوت آخر من حيتان المال والأعمال في المنفى أيضا وهو " فلاديمير إيه جوسينكي".. بالإضافة إلى " ميخائيل خودوركوفسكي، الرئيس السابق لمؤسسة إيكوس للنفط، والذي يعاني حاليا في السجن الذي تم إيداعه فيه، بعد أن وجهت له تهم تتعلق بالفساد.
وعلى رغم أن الروس قلما يتعاطفون مع رجال النخبة، الذين ينظرون إليهم- ولديهم في ذلك من الأسباب ما يكفي- على أنهم أشخاص فاسدون أثروا من خلال الممارسات غير المشروعة.. إلا أن الشيء الذي يقف دافعا وراء حملة بوتين ضد النخبة الغنية، وأصحاب النفوذ.. ليس هو الطريقة التي اصبح بها هؤلاء الأشخاص أثرياء، ولكن حقيقة أنهم قد قاموا بعد أن تحولوا إلى أثرياء، بتبني طموحات سياسية، أو بدأوا في تمويل أحزاب سياسية، ومنظمات مدنية.
ومن المعروف عن بوتين أنه لا يحتمل النقد ولا يتسامح مع مراكز القوى. الشاهد على ذلك أنه قد قال لرجال النخبة الروسية في اجتماع سري - أصبحت تفاصيله معروفة الآن- إنه لن يقوم بتقصي تاريخهم المالي، شريطة أن يظلوا بعيدين عن السياسة.
وتحت رقابة بوتين الصارمة، توقفت شبكات التلفزيون الروسية الخاصة عن العمل.. كما أن الصحف والمجلات التي كانت فيما مضى لا تتهيب من توجيه النقد للحكومة.. أصبحت تقوم الآن بممارسة الرقابة الذاتية على ما تقوم بنشره، بعد أن خضعت للعديد من المضايقات القانونية.
وهناك علامات مقلقة أخرى بشأن مستقبل روسيا السياسي: فالحرب القذرة في الشيشان التي بدأت عام 1999 ..لازالت مستمرة حتى الآن دون توقف. وهذه الحرب تم شنها في الأساس دون اتخاذ احتياطات كافية لحماية غير المقاتلين من السكان، الأمر الذي أدى إلى خسائر بشرية فادحة في صفوف الشيشان المدنيين. فبعد تدمير بيوت هؤلاء الشيشان، والقضاء على مواشيهم، لم يجد الكثيرون من هؤلاء سوى معسكرات لاجئين بائسة في أنجوشيا كي يقيموا فيها، أو تم تركهم كي يعيشوا وسط الأنقاض والدمار.
وهذه الحرب أفسدت الجيش الروسي أيضا، حيث يقوم جنوده منخفضو المعنويات، والسيئ التغذية والقيادة، بالتفرغ لأعمال التعذيب والسلب والنهب والاغتصاب وأخذ الرهائن، دون عقاب أو مساءلة إلا لعدد قليل منهم.
نتيجة لكل ذلك، فإن هناك أعدادا متزايدة من النساء الشيشان اللاتي فقدن أزواجهن أو أبناءهن، أصبحن راغبات في الاشتراك في الهجمات الانتحارية، وغيرها من أعمال الإرهاب، سواء في العاصمة موسكو أو في غيرها من المدن في مختلف أنحاء روسيا.
وهذا الإرهاب لم يترتب عليه فقط قتل العديد من المدنيين الأبرياء، ولكنه أدى أيضا إلى تعريض ديمقراطية روسيا الهشة للخطر، وذلك عندما جعل أجهزة حفظ وتنفيذ القانون، تقوم بممارسة عملها دون قيود أو محاذير. فرجال الشرطة في موسكو يقومون على نحو دائم بإساءة معاملة، وتفتيش، والقبض على الشيشان وغيرهم من الأشخاص الذين ينتمون إلى قوميات قوقازية شمالية.
أما الديماغوغيون من أقصى اليمين من أمثال فلاديمير زيرينوفسكي، رئيس القوميين المتعصبين، الذين يطلقون على حزبهم- ويا للغرابة- اسم "الحزب الديمقراطي الليبرالي" ، فهم يقومون بالدفاع عن الطرد الجماعي للشيشان من موسكو. ويلاحظ أن بوتين قد أكد، من خلال قيامه بالإدلاء بتصريح عقب وقوع الهجوم على مترو أ