على العالم الإسلامي كله أن يزِن ويقيّم النتائج المترتبة عن الحملة الانتخابية الإيرانية التي بدأت في العشرين من الشهر الجاري. فقد آلت إلى الفشل محاولة استنبات نبتة ديمقراطية محلية في هذا البلد الإسلامي، أو أنها عانت من انتكاسات وتراجعات خطيرة. والواقع أن فوز المحافظين وهزيمة الإصلاحيين، يعدان بمثابة مأساة شخصية ومباشرة للرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، الذي حقق نصراً ساحقاً على المحافظين في عام 1997، غير أنه لطالما خاض من يومها، معركة خاسرة ومستمرة مع خصومه ومنتقديه المحافظين. وفي مقدمة خصومه يبرز آية الله خامنئي, المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية, وزعيم المحافظين قاطبة. فها هو الآن يحتفظ بمركزه الأعلى في قمة نظام يغلب عليه القادة الإسلاميون المتشددون. ومما لا شك فيه أن نتيجة كهذه، ستدفع الكثير من المراقبين الغربيين للتوصل إلى الاستنتاج المؤسف نفسه: إن الإسلام والديمقراطية نقيضان لا يلتقيان!
ولكن الشاهد أن الانتخابات الأخيرة هذه، قد وجهت ضدها انتقادات واسعة وحادّة،واصفة إياها بأنها مزورة إلى درجة كبيرة، فاقدة للديمقراطية، وأنها أبعد ما تكون عن التقاليد الانتخابية المتعارف عليها دوليا. فقد تم حرمان ما يصل إلى 2500 من الإصلاحيين من حق الترشيح بموجب قرار بهذا المعنى، صادر عن مجلس صيانة الدستور، وهو هيئة متشددة تعمل تحت قيادة رئيسها آية الله أحمد جنتي. كرد فعل على هذا الإجراء، قدم الكثير من الإصلاحيين من أعضاء البرلمان استقالاتهم من عضويتهم فيه، احتجاجاً على منع ترشيح زملائهم في الانتخابات الأخيرة هذه. تزامن كل هذا مع إغلاق صحيفتين إيرانيتين عشية الاقتراع هما صحيفتا "ياس إي نو" و"الشرق". بهذا الإجراء، تكون الأحداث قد استعادت ماضي ست سنوات من الصراع والمواجهات المستمرة بين المحافظين والإصلاحيين، وهي مواجهات جرى فيها إغلاق وحظر العشرات من الصحف، بينما واجه العديد من الصحفيين والمثقفين والمفكرين الإيرانيين، حملة الاتهامات والسجون والاعتقالات، في الوقت الذي تعرض فيه بعضهم للقتل فعلياً.
والحقيقة أن إيران تعتبر دولة كبرى في منطقة الخليج، تبسط سيطرتها ونفوذها على الساحل الشرقي منه كله. أضف إلى ذلك أن لها نفوذاً كبيراً ومؤثراً على كل من أفغانستان والدول العربية الخليجية المجاورة لها، علاوة على عظِم تأثيرها على الدراما السياسية الجارية حاليا في العراق. ثم إن إيران لا تكتفي بمجرد كونها لاعباً إقليمياً محلياً ذا وزن وكثافة سكانية قوامها ستة وستون مليون نسمة فحسب، بل تتجاوز ذلك بكونها تستشعر دوراً قيادياً للمذهب الشيعي أينما وجد، يعطيها حق القوامة على شيعة العالم أجمعين. ولكل هذه الاعتبارات، فإن ما يحدث في إيران، يمثل محل اهتمام كبير بالنسبة للعالم العربي.
في وقت مبكر من هذا الشهر، كانت الجمهورية الإسلامية قد احتفلت بمرور الخمسة والعشرين عاماً الأولى من عمرها. وخلال مسيرة ربع القرن هذه، تحولت الجمهورية الإسلامية من راديكاليتها المتطرفة المتوثبة إلى تصدير نموذج ثورتها إلى العالم كله، إلى دولة مسؤولة ومحترمة، تعكف على انتزاع ما تستحقه من مكانة في الأسرة الدولية، فضلاً عن سعيها لتحسين علاقاتها مع جيرانها من الدول العربية. خلال الفترة ذاتها، أثبتت حربها الماراثونية الطويلة مع العراق 1980-1988 مدى وطنية وتماسك صفوف مواطنيها. وفي غضون السنوات الأخيرة، نجح رئيسها الإصلاحي محمد خاتمي، في تحسين صورة بلاده بدرجة كبيرة في نظر العالم، خلال دفاعه ودعوته لإدارة "حوار" مع الغرب. أما على الصعيد الداخلي، فقد سعى خاتمي لإصلاح الجمهورية الإسلامية من داخلها، وذلك بتشجيعه ودعوته لإنشاء "مجتمع مدني إسلامي" وإرساء حكم المؤسسات والقانون.
وقد كان طبيعياً أن يكون لكل هذه الخطوات صداها ورنينها داخل إيران وخارجها على حد سواء. طبيعي أيضاً أن يصدر الطلاب والمثقفون والسياسيون الموالون للإصلاحيين، العشرات من البيانات التي استنكرت الممارسات التي صحبت الانتخابات الأخيرة، واصفة إياها بكونها لا ديمقراطية وغير نزيهة. ولما كانت قاعدة القوة السياسية الرئيسية التي ينطلق منها الرئيس خاتمي في كل توجهاته الإصلاحية، هي أغلبية حزبه داخل البرلمان، فإن خسارة هذه الأغلبية الإصلاحية في الانتخابات التي جرت مؤخراً في نهاية الأسبوع الماضي، تعكس مدى ضعف المؤسسة الرئاسية في ظل النظام السياسي السائد الآن في إيران. ولك أن تتبين مدى هذا الضعف، مقابل الوزن والسطوة اللذين يحظى بهما القائد الأعلى ومجلس صيانة الدستور. فهذان الاثنان يبسطان نفوذهما على القوات المسلحة الإيرانية وقوات الأمن، علاوة على كافة وسائل الإعلام الحكومي والقضاء، والجزء الأعظم من اقتصاد البلاد وثرواتها.
وفي ميزان التقييم لحصاد وسجل السنوات القليلة الماضية من الحياة السياسية الإيرانية، فإن سيرة الرئيس خاتمي، تشير إلى كونه فيلسوفاً أكثر منه سياسياً. فخاتمي يتمتع بثقافة هائلة واسعة، أهلته لإدارة المكتبة الوطنية الع