لقد أمضيت معظم أوقات حياتي في غضون الثمانية أعوام الماضية، في عملي وعضويتي بالمجلس السباعي الذي تتألف منه الهيئة الاستئنافية لمنظمة التجارة العالمية. وكنتُ طوال هذه السنوات، الأميركي الوحيد بين أعضاء تلك الهيئة. ومما قمت به، أنني أعنت الدول الأعضاء في المنظمة على الحفاظ على حكم القانون داخل إطار المنظمة. إلى جانب ذلك، فقد كنت أحد القضاة الأجانب مجهولي الهوية لدى المنظمة. ولكنني أصبحت اليوم عضوا سابقا في الهيئة الاستئنافية للمنظمة، وهأنذا أود التعبير عن رأيي كمواطن عادي وأدلي بدلوي في الحوار العام الدائر الآن حول المنظمة، وأدافع عن التجارة على وجه التحديد، سيما الحفاظ على الفوائد والمكاسب التجارية المتبادلة بين الدول عن طريق تعزيز النظام الذي أرسته الدول الأعضاء في المنظمة. الجانب الذي أسعى لتسليط ضوء خاص عليه هو عملية حسم وتسوية النزاعات القانونية التي تنشأ داخل المنظمة، باعتبارها عنصرا لا غنى عنه في عملها.
ولكي نبدأ هذه المناقشة، لابد من تأكيد أهمية فتح أبواب المنظمة على مصراعيها أمام الجميع. يعني ذلك مباشرة أن علينا أن نفتح النوافذ أمام الرقابة الشعبية العامة، وأن نتيح لأولئك المليارات الستة من البشر الذين تخدمهم المنظمة، أن يروها كما هي. وما لم تفعل المنظمة هذا، فإنه لن يكون في وسع الأعضاء أن يؤمّنوا الدعم الشعبي العام الذي لا غنى لهم عنه، في السعي لتحقيق أقصى حد ممكن من المكاسب والفوائد التي يمكن جنيها من خلال تجارة تقوم على نظام تجاري دولي، قوامه حكم وسيادة القانون. وما أن نتمكن من تحقيق هذا الهدف، حتى نكون قادرين على المضي قدما لتحقيق أهدافنا العليا، المتمثلة في فتح نوافذ التجارة العالمية إلى أقصى مدى ممكن. هذا بدوره يرتبط بأهمية فتح إجراءات المجالس والهيئات القانونية، فضلا عن فتح جلسات السماع الشفوية الخاصة بالهيئة الاستئنافية للمنظمة. والمقصود هنا أن تكون هذه الجلسات مفتوحة أمام الصحافة والمؤسسات الإعلامية، إضافة إلى فتحها أمام الرقابة الشعبية العامة. في الاتجاه نفسه، علينا أن نتبنى النهج ذاته بالنسبة لاجتماعات المجلس العام للمنظمة، وكذلك بالنسبة لهيئة تسوية النزاعات، وكافة المجالس الرئيسية التابعة للمنظمة.
إنني لا أقترح بهذا أن تفتح مداولات الهيئات والمجالس التابعة للهيئة الاستئنافية. فما من نظام قضائي يفعل ذلك على نطاق العالم بأسره. كما لا أقترح أيضا فتح المفاوضات التي تجريها المنظمة بعيدا عن مختلف الاجتماعات التي تعقدها المجالس التابعة لها. فأنا أدرك أنه ما من أحد ممن لم يسبق له مطلقا أن فاوض حول الاتفاقيات التجارية، يحبذ انفتاحا كهذا. ومن المؤكد أيضا أنني لا أقترح أن تدرج المنظمات غير الحكومية والمصالح والاستثمارات الخاصة، ضمن الجهات والأطراف في إجراءات تسوية النزاعات داخل المنظمة، أو أن تكون طرفا في المفاوضات التجارية، ناهيك عن أن تكون لها أية صفة قانونية رسمية داخل المنظمة. فالواجب أن تظل منظمة التجارة العالمية كما كانت من قبل، منظمة معنية بتنظيم العلاقات التجارية بين الدول والحكومات والجهات الجمركية الحدودية. كما أنني أفهم دون أدنى لبس أو غموض، التحفظات المثارة ضد دعاوى "الشفافية" ومخاوف الدول النامية من أنه فيما لو فتحت أبواب التجارة العالمية على مصراعيها، فإنها في هذه الحالة، سوف تتم إزاحتها جانبا من قبل جيش جرار من الاستثمارات والمصالح الخاصة الأجنبية الأكثر غنى ورأسمالاً، بحكم انتمائها إلى دول العالم المتقدم.
ولكن في قناعتي الشخصية أنه في الإمكان التصدي لمثل هذه المخاوف والاعتبارات، فيما لو فتحت الأبواب الصحيحة وفي الاتجاه الصحيح أيضا. أكثر من ذلك، فإنني أعتقد أن تبديد المخاوف إياها أمر ممكن، في حالة طمأنتنا لكافة دول العالم على أن منظمة التجارة هي كيان تدفعه المصالح المشتركة بين الأعضاء، وأنها تبذل قصارى جهدها، وتتبنى كافة السبل التي تمكنها من تحقيق الأهداف التي نصت عليها الاتفاقية الدولية التي أنشئت بموجبها. وحتى الآن، هناك تسميتان لإجراءات تسوية النزاعات داخل المنظمة، هما: "الكتمان والخصوصية" حسب التعبير الذي تطلقه عليها المنظمة. أما الآخرون فيصفون تلك الإجراءات مباشرة بأنها "سرية". ومهما يكن فما من مبرر واحد يدعو للإبقاء على إجراءات تسوية النزاعات تلك، طي السرية والكتمان. بل إن هناك كل المبررات والدواعي التي تستلزم أن تكون إجراءاتها مشرعة ومفتوحة الأبواب أمام الرقابة العامة. وما من سبب واحد يجيز لمنتقدي المنظمة أن يسلبوها أية صفة تتعلق بالمصداقية، ونعتها بأنها "نجم المحاكمات الصورية"، إلا بسبب تمسكها حتى الآن، بسرية إجراءاتها ذات الصلة بتسوية النزاعات. وبسبب السرية نفسها، تحوم الوساوس الكثيرة والشكوك حول مدى تطابق عملية اتخاذ القرارات إجمالا داخل المنظمة، مع نصوص الاتفاقية التي أنشئت بموجبها.
وعليه، فإن فتح الأبواب مشرعة أمام إجراءات تسوية النزاعات داخلها، هو السبيل الوحيد أمامها لط