تطرح الهند، فضلاً عن الصين، أسئلة معقدة، في ما يخص العولمة بإيجابياتها وسلبياتها، وكذلك العلاقة بالغرب، لا سيما الولايات المتحدة. والكثير من هذه الأسئلة يتقاطع مع أسئلة عربية مماثلة لكنها لا تُطرح. فذاك البلد الآسيوي العملاق حقق في 2002 نمواً في الإنتاج الصناعي بمعدل 54 في المئة، ولا تزال النسبة في تصاعد. وكان إجمالي ناتجه الوطني قد ارتفع، بين 1980 و2001، من 459 مليار دولار إلى 2995 ملياراً. أما آلة الدفع الأولى في هذا التحول فتكمن في صيرورة الهند، منذ أعوام قليلة، المصدر الأول في العالم للخدمات المعلوماتية. فكبريات الشركات في الولايات المتحدة، كـ"جنرال أليكتريك" و"مايكروسوفت" توالي منذ بضع سنوات نقل بعض أنشطتها إلى الخارج، لا سيما الهند، حيث أكلاف العمالة والحياة أدنى بكثير منها في البلدان الغربية. ولا يخفى، في الحالة الهندية تحديداً، أن الاستقرار السياسي ووجود قاعدة عريضة نسبياً تجيد الإنجليزية شجعا عملية النقل هذه. والراهن أن الأنشطة المنقولة هذه تغطي مستويات عدة، من الخدمات البسيطة للمستهلكين بما فيها مكاتب محاسبة الشركات وإدارات تكمن مقارها الرئيسية في البلدان الغربية، إلى البحوث والسلع المتصلة بتقنية المعلومات.
وكانت هذه العملية أثارت، ولا تزال، ضجة في الأوساط الأميركية الأشد انعزالية وحمائية. إذ أوشكت، في الأعوام الثلاثة الفائتة، عشرون ولاية على التشريع لمنع التعاقد مع غير أميركيين على عمل حكومي فيما تردد أن مجموع فرص العمل الأميركية الذي نزح إلى الهند و الصين وروسيا يرقى إلى 400 ألف فرصة. وفي المقابل، تتسابق البلدان الأوروبية على استقبال الهنود الراغبين في الهجرة إليها من ذوي الكفاءات في تقنية المعلومات، وتبذل الحكومة الألمانية خصوصاً جهوداً ملحوظة كيما تعكس رغبتها في تشريعات قانونية.
وقصارى القول إن الجغرافيا تغدو، والحال هذه، تاريخاً. فانتقال الشركات يفتح أمام الهند فرصة إقلاع اقتصادي جبار، وخصوصاً أن الشركات هذه أضحت تنفق ما بين ربع وثلث موازناتها لتقنية المعلومات في الخارج. وهذا كله مما ينعكس على جوانب أخرى في الحياة الهندية، فيتعاظم تكيف النظام التعليمي، بضغط من الدول والشركات المحلية، مع الأهداف الجديدة. وعلى هذا النحو تتضاعف العناية بتعليم الإنجليزية والمهارات التقنية الحديثة مما يستدعي إنتاج طاقم محلي كفوء. كذلك يتنامى الاعتداد بالنفس على نطاق وطني لأن في وسع الهنود أن ينجزوا ما ينجزه الغربيون، وهي مسألة حساسة، كما نعلم، في المستعمرات السابقة ذات النرجسيات الجريحة.
مع ذلك، فالتقدم الاقتصادي وتوابعه لا تختصر الهند طبعاً، هي التي تترادف في أذهان كثيرة داخلها وخارجها مع الفاقة والتخلف. وفي يناير الماضي، عقد "المنتدى الاجتماعي العالمي" لقاءه السنوي الضخم في مدينة بومباي لأنها، كعاصمة اقتصادية للهند، ترمز إلى "سيئات الرأسمالية وبؤسها". ويكفي الرجوع، قبل ذلك، إلى المقالات التي جمعتها أرونداتي روي في كتاب "سياسة القوة" للاقتراب من بعض جوانب الفقر والأخطار البيئوية مما يعانيه بلدها.
بيد أن الروائية التي نالت جائزة بوكر للأدب في بريطانيا عام 1977 عن روايتها "إله الأشياء الصغيرة"، قبل أن تتحول إلى مناهضة للعولمة والأصولية وصوت للعالم الثالث ضد الحرب والولايات المتحدة، لا تمنح بعض التعقيدات الثقافية والسياسية ما تستحقه من عناية. فقد يكون صحيحاً أن شركة "إنرون" حملت الحكومة الهندية على بناء مولدات جديدة للكهرباء تكلف البلد مئات ملايين الدولارات تستفيد منها المصالح المالية الأميركية. وما من شك في أن التصدي للسدود النصبية الضخمة التي تسببت باقتلاع مئات آلاف الفقراء وخسارتهم مصادر رزقهم مهمة جديرة بأن تخاض، وخصوصاً أن هذه السدود تخلف وراءها أعداداً ضخمة من الفلاحين لا يتمتعون، حتى اليوم، بمياه صالحة للشرب. لكن هذه وغيرها من الأزمات إنما تطرحها الكاتبة وبعض أصوات المنتدى الاجتماعي بطريقة تفتقر إلى الدقة، وتفتقر تالياً إلى القدرة على مساعدة الهند في معارك التنمية. فالبنك الدولي تراجع عن دعمه للسدود مستجيباً لحملة بعض المنظمات غير الحكومية. وأهم من ذلك أن هذا المشروع الهيولي ليس ابن الرأسمالية المعولمة كما لا يتطابق حرفياً معها. فهو يرقى إلى خمسين عاماً ادت إلى تهجير وإفقار خمسين مليون هندي. وكان بطله الأساسي جواهر لال نهرو صاحب العبارة الشهيرة يومذاك، والتي تراجع عنها لاحقاً، من أن السدود معابد الهند الحديثة. وفي هذه الأثناء كان نهرو، وزعماء صينيون وعالمثالثيون كثيرون، يستلهمون نموذجاً سوفييتياً رأوا فيه تجسيماً لحداثة مكثفة وطاغية. ثم إن الأهم أن إشارات ارونداتي روي الكثيرة إلى حضارة الهند القديمة في مقارنات معلنة أو ضمنية مع حضارة التلفزيون وميكي ماوس الأميركية، تعيد موضعة مشكلات التنمية في المباهاة القومية التي تفضي إلى تمجيد التخلف وتحريك مشاعر كراهية للغرب وأميركا لا تفيد أحداً. وهذا ليس دفاعاً عن الولايا